تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٦٥ - ذكر الخبر عن مراسله الكوفيين الحسين
و انه ليتشكى، قال: قد بلغنى انه قد برا، و هو يجلس على باب داره، فالقوه، فمروه الا يدع ما عليه في ذلك من الحق، فانى لا أحب ان يفسد عندي مثله من اشراف العرب فاتوه حتى وقفوا عليه عشيه و هو جالس على بابه، فقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير، فانه قد ذكرك، و قد قال: لو اعلم انه شاك لعدته؟ فقال لهم: الشكوى تمنعني، فقالوا له: يبلغه انك تجلس كل عشيه على باب دارك، و قد استبطأك، و الإبطاء و الجفاء لا يحتمله السلطان، اقسمنا عليك لما ركبت معنا! فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغله فركبها حتى إذا دنا من القصر، كان نفسه احست ببعض الذى كان، فقال لحسان ابن أسماء بن خارجه: يا بن أخي، انى و الله لهذا الرجل لخائف، فما ترى؟
قال: اى عم، و الله ما اتخوف عليك شيئا، و لم تجعل على نفسك سبيلا و أنت بريء؟ و زعموا ان أسماء لم يعلم في اى شيء بعث اليه عبيد الله، فاما محمد فقد علم به، فدخل القوم على ابن زياد، و دخل معهم، فلما طلع قال عبيد الله: اتتك بحائن رجلاه! و قد عرس عبيد الله إذ ذاك بام نافع ابنه عماره بن عقبه، فلما دنا من ابن زياد و عنده شريح القاضى التفت نحوه، فقال:
اريد حباءه و يريد قتلى* * * عذيرك من خليلك من مراد
و قد كان له أول ما قدم مكرما ملطفا، فقال له هانئ: و ما ذاك ايها الأمير؟ قال: ايه يا هانئ بن عروه! ما هذه الأمور التي تربص في دورك لأمير المؤمنين و عامه المسلمين! جئت بمسلم بن عقيل فادخلته دارك، و جمعت له السلاح و الرجال في الدور حولك، و ظننت ان ذلك يخفى على لك! قال: ما فعلت، و ما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت، قال: ما فعلت، قال:
بلى، فلما كثر ذلك بينهما، و ابى هانئ الا مجاحدته و مناكرته، دعا ابن زياد معقلا ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه فقال: ا تعرف هذا؟
قال: نعم، و علم هانئ عند ذلك انه كان عينا عليهم، و انه قد أتاه باخبارهم،