تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٧١ - ذكر الخبر عن مراسله الكوفيين الحسين
ما جرت أيديها، و تكلم الاشراف بنحو من كلام هذا، فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون، و أخذوا ينصرفون.
قال ابو مخنف: فحدثني المجالد بن سعيد، ان المرأة كانت تأتي ابنها او أخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك، و يجيء الرجل الى ابنه او أخيه فيقول: غدا يأتيك اهل الشام، فما تصنع بالحرب و الشر! انصرف فيذهب به، فما زالوا يتفرقون و يتصدعون حتى امسى ابن عقيل و ما معه ثلاثون نفسا فلما راى انه قد امسى و ليس معه الا أولئك النفر خرج متوجها نحو أبواب كنده، و بلغ الأبواب و معه منهم عشره، ثم خرج من الباب و إذا ليس معه انسان، و التفت فإذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق، و لا يدله على منزل و لا يواسيه بنفسه ان عرض له عدو، فمضى على وجهه يتلدد في ازقه الكوفه لا يدرى اين يذهب! حتى خرج الى دور بنى جبله من كنده، فمشى حتى انتهى الى باب امراه يقال لها طوعه- أم ولد كانت للأشعث بن قيس، فأعتقها، فتزوجها اسيد الحضرمى فولدت له بلالا، و كان بلال، قد خرج مع الناس و أمه قائمه تنتظره- فسلم عليها ابن عقيل، فردت عليه، فقال لها: يا أمه الله، اسقيني ماء، فدخلت فسقته، فجلس و ادخلت الإناء، ثم خرجت فقالت: يا عبد الله ا لم تشرب! قال: بلى، قالت: فاذهب الى اهلك، فسكت، ثم عادت فقالت مثل ذلك، فسكت، ثم قالت له: في الله، سبحان الله يا عبد الله! فمر الى اهلك عافاك الله، فانه لا يصلح لك الجلوس على بابى، و لا احله لك، فقام فقال: يا أمه الله، ما لي في هذا المصر منزل و لا عشيره، فهل لك الى اجر و معروف، و لعلى مكافئك به بعد اليوم! فقالت: يا عبد الله، و ما ذاك؟ قال:
انا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم و غروني، قالت: أنت مسلم! قال: نعم قالت: ادخل، فادخلته بيتا في دارها غير البيت الذى تكون فيه، و فرشت له، و عرضت عليه العشاء فلم يتعش، و لم يكن باسرع من ان جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت و الخروج منه، فقال: و الله انه