الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٤٠ - المتن
و يدلّ على ذلك ما حكي أن هارون العباسي قال لموسى بن جعفر (عليه السلام): حدّ لي فدك حتى أردّه. فقال (عليه السلام): حدّها من سيف البحر إلى دومة الجندل إلى عريش مصر. فقال هارون:
حتى أنظر فيها. فالظاهر أن مقصوده (عليه السلام) أن فدك نموذج ما تركه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأهل بيته (عليهم السلام) و هو ما استقرّ حكومته عليه في حياته.
و قال الشارح المعتزلى- [١]: و سألت علي بن الفارقي مدرّس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أ كانت فاطمة (عليها السلام) صادقة؟ قال: نعم. قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك و هي عنده صادقة؟ فتبسم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه و حرمته و قلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا و ادعت لزوجها الخلافة و زحزحته عن مقامه، و لم يكن يمكنه الاعتذار و الموافقة بشيء لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي، كائنا ما كان، من غير حاجة إلى بينة و لا شهود. و هذا كلام صحيح، و إن كان قد أخرجه مخرج الدعابة و الهزل.
ثم إن عمق سياسة قضية فدك يظهر من التدبر في خطب أبي بكر و مكالمته مع فاطمة (عليها السلام)، حيث يستفاد منها أن أبا بكر كان داهية دهياء و لا يكون في المسلمين يومئذ أدهى منه و أمكر، و صوّر خطّة سياسته في هذه القضية من ثلاث:
الأولى: رقّته و لينه تجاه فاطمة (عليها السلام) بما لا مزيد عليه و تمسّكه بالاطاعة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ولعه على العمل بسنته و سيرته حرفا بحرف و قدما على قدم، و تحريش الناس على فاطمة (عليها السلام) بأنها يريد خلاف قول أبيها طلبا لحطام الدنيا! فانظر فيما يلي:
في الشرح المعتزلي [٢]: و روى هشام بن محمد، عن أبيه، قال: قالت فاطمة (عليها السلام) لأبي بكر: إن أم أيمن تشهد لي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أعطاني فدك. فقال لها: يا بنت رسول اللّه، و اللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبيك، و لوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك، و اللّه لإن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من أن تفتقري، أ تراني أعطي
[١]. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج ١٦ ص ٢٨٤.
[٢]. شرح نهج البلاغة لا بن أبي الحديد (ط مصر): ج ١٦ ص ٢١٤.