الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٢٩٢ - المتن
كان غيره و سواء أ كان الوارث من عصبة الموروث أم من أصحاب الفرائض أم كان من غيرهما عملا بظاهر الآية الكريمة.
و منها قوله تعالى فيما اقتص من خبر زكريا: «إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا. قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا». [١]
احتجّت الزهراء و الأئمة (عليهم السلام) من بنيها بهذه الآية على أن الأنبياء يورّثون المال، و أن الإرث المذكور فيها إنما هو المال لا العلم و لا النبوة. و تبعهم في ذلك أولياؤهم من أعلام الإمامية كافة، فقالوا: إن لفظ الميراث في اللغة و الشريعة لا يطلق إلا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، و لا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز و التوسّع، و لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة.
و أيضا فإن زكريا قال في دعائه: «وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا»، أي اجعل يا رب ذلك الوليّ الذي يرثني مرضيا عندك، ممتثلا لأمرك. و متى حملنا الإرث على النبوة لم يكن لذلك معنى و كان لغوا عبثا؛ أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقول أحد: اللهم ابعث لنا نبيا و اجعله عاقلا مرضيا في أخلاقه! لأنه إذا كان نبيا فقد دخل الرضا و ما هو أعظم من الرضا في النبوة.
و يقوّي ما قلناه أن زكريا صرّح بأنه يخاف بني عم بعده بقوله: «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي»، و إنما يطلب وارثا لأجل خوفه، و لا يليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة و العلم، لأنه كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا من هو ليس بأهل للنبوة و أن يورث علمه و حكمته من ليس لهما بأهل، و لأنه إنما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس، فكيف يخاف الأمر الذي هو الغرض في بعثته.
[١]. سورة مريم: الآيات ٣- ٦.