المباحثات - ابن سينا - الصفحة ٣٤٨ - الملحق
و هذا الفن نريد أن نودعه أبوابا من علم النفس، من تدبّرها أيقن بوجودها شيئا غير المزاج، و سائر أحوال العناصر الأربعة؛ و تحقق أن لها بقاء و معادا و أحوالا من دون الهيكل الذي تديره. و أعجب بمن ينكر وجود معنى غير منطبع في جسم يدبره، و لا يتعجب من وجود جسم يدبر، بل وجود جسم على الإطلاق، و هل دله على وجود الجسم إلا البصر أو غيره من الحواس؟ فأيقن بغير الحواس أن [٢٥٠] وجوده صحيح لا شبهة فيه، ثم لم ينكر [٢٥١] وجود معنى الجسم و علمه بما علم به صحة وجود ما يؤدي البصر إلى النفس، بل كثير من البيانات البرهانية أقوى عندي من هذه الاعتبارية، أعني أن ما تلتقطه النفس عن الحس صحيح وجوده.
ثم دع هذا! هل ينكر من نظر نظرا يعتد به أن واجب الوجود الذي هو علة الجسم و غير الجسم واحد، [من وجوه: منها لزوم المعلولية لوجوب الوجود] [٢٥٢] إن كان كثيرا، أو كون الفصل علة لماهية [٢٥٣] الجنس إن فرض وجوب الوجود معنى جنسيا، و أنه ليس بجسم و لا شيء من الماهيات التي يكون الوجود خارجا عنها، ببيان أن المعدوم لا يكون [٢٥٤] علة للوجود، و أن شيئا آخر ليس بجسم [٢٥٥] موجود وجود مدبّر متصرف في جسم.
و قد أنكر جماعة من أهل النظر إثبات النفس، إلا أن المذهب المعتدّ به هو مذهب من يعتقد أنها المزاج، لأن الأفعال النفسانية لا تصدر عنها إلا بواسطة المزاج، و لا يتم فعل إلا به، و قوى آراء الناس في [اعتدال المزاج] [٢٥٦] بوشك أن يكون هو الفاعل الأول لا الإله [٢٥٧].
فأما مذهب متكلمي الوقت و تمسكهم بأن النفس هو هذه الجملة، فهو خسيس [٢٥٨] ضعيف، لو لا أنهم فرحون به لما تكلمت عليه. فاسمع ما يروّح
[٢٥٠] لر: او.
[٢٥١] لر: ثم ينكر.
[٢٥٢] لر: من وجوده.
[٢٥٣] لر: للماهية.
[٢٥٤] ى: لا يكون كله علة للوجود.
[٢٥٥] «ليس بجسم» ساقطة من لر.
[٢٥٦] لر: في أن المزاج.
[٢٥٧] لر: فاعل الأول الاله.
[٢٥٨] لر: فهو جنس خسيس.