خلاصة معرفية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١٤ - العصمة
الجنة قبل الدنيا لم يكن مولوياً تشريعياً بالمعنى الذي نعهده بل إرشاد وإشفاق نصيحة منه تعالى لآدم وحواء، ويطلق العصيان على مخالفة الآمر الذي من صنف الارشاد مثل أن الأخ يخالف أخاه الذي ينصحه فيقول له عصيت أمري لا سيما إذا كان الآمر يفوق المأمور في المنزلة، فلم يكن من آدم (عليه السلام) معصية حقيقية بالمعنى الذي يتبادر إلى الذهن من معنى معهود كي يخلّ بعصمته، بل هو ما عبّر عنه علماء الامامية بترك
الأولى، أي كون الموافقة بنحو الأولوية في حكم العقل لا اللزوم، وسرّ التعبير بذلك في الآية هو أن المقرّب يتوقع منه ما لا يتوقع من الأباعد ومن هنا قيل حسنات الابرار سيئات المقربين أي أن الفعل الذي يعدّ حسنات الابرار لو أتى به المقرّب على درجة الكيفية التي أتى بها الأبرار لعدّه المولى مستهينا به، كما في مثال الملك يتوقع من وزيره من الإحترام والتعظيم والتبعية ما لا يتوقع من سائر الرعيّة، لا بمعنى أن النقصان الذي يقع في فعل الوزير معصية بالمعنى المعهود المصطلح في التكاليف العامة، بل بمعنى تركه للأولى الذي هو في شأن الوزير جفوة في مقام القرب والمقربين، فتكون غواية عن ما هو أكمل في الدرجات العالية من الكمال، وأما وسوسة الشيطان فليس بمعنى تسلطه على قلب النبي وعقله، فإنه قد يؤذي بدن النبي كما في أيوب أو بعض قواه النفسية النازلة كما في موسى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، أو على اتباعه كما في القاء الشيطان في أمنية الأنبياء أي الكمال في الخارج المحيطي الذي يتمنى الانبياء صلاحه، فيكون ما يلقى الشيطان فتنة للأتباع، لكنه لا يتسلط على مركز النبوة وهو قلب وعقل النبي اللذين يتلقيان