العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٩٦
أكثر [١] من الإيجاب الذي يستحقه المبتدأ و إنما يدخلان لتوكيد الإيجاب و كان حقهما ألا يعملا شيئا و لكن شبّها بالفعل من جهة لفظهما دون معناهما فصار عملهما ضعيفا، فإذا أدخلت عليهما (ما) حالت بينهما و بين ما يعملان فيه فضعفا عن العمل، و أما أخواتها ففيها معاني الأفعال نحو التشبيه، و الترجي، و التمني، و تزيل أيضا معنى الابتداء فقويت فجاز أن تعمل مع وجود الحائل بينها و بين ما تعمل فيه.
فإن قال قائل: فلم صار عمل هذه الحروف إذا دخلت (ما) بينها و بين ما تعمل فيه أضعف من حروف الجر إذا دخلت بينها و بين ما تعمل فيه؟.
قيل له: إن حروف الجر تعمل على أنها أصل في العمل و ليست مشبهة بغيرها، فأما هذه الحروف فإنها تعمل تشبيها بالفعل، فما هو أصل في نفسه أقوى مما هو مشبه بغيره.
فإن قال قائل: فلم صارت (ما) بالزيادة أولى من سائر الحروف؟.
قيل له: لأنها تصرف على جهات كثيرة، و ليس مع هذا لها معنى في نفسها إذا كانت زائدة فحسن إلغاؤها من بين سائر الحروف لكثرة تصرفها و زوال معناها، و قد يمكن أن تجعل (ما) في قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: ٤/ ١٥٥] [٢] غير زائدة و تكون اسما بنفسها مبهما و (نقضهم) بدل منها، فعلى هذا الوجه لا تكون قد فصلت بين الباء و ما تعمل فيه، فإذا صح هذا الوجه لم يلزم الانفصال الأول بين (ليت) و أخواتها و بين حروف الجر و إن كانت أصلا في العمل، فهي و ما تعمل فيه كالشيء الواحد و لا يجوز تقديم ما تعمل فيه و لا تأخيره، فضعف الفصل بينها و بين ما تعمل فيه كما ضعف التقديم و التأخير.
[١] مكرر في الأصل.
[٢] و الآية فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.