العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٥٨
و الوجه الثاني: أن حروف الجر تجري فيما بعدها مجرى الأسماء التي تخفض ما بعدها، و الأفعال قد تقع في مواضع الجر بإضافة ظروف الزمان إليها كقولك:
هذا يوم يقوم زيد، فصار وقوع الاسم بعد حرف الجر لا يخلص للاسم إذا كان مثل هذا الموضع قد تقع فيه الأفعال.
فأما الألف و اللام و الإضافة فلا يجوز بحال أن تدخل على الأفعال فلما صار هذا الموضع يخلص للاسم دون الفعل وجب أن ينصرف.
فإن قال قائل: فلم صار التنوين يعاقب الألف و اللام و الإضافة؟
قيل له: لأن التنوين إنما يدخل على الاسم ليعلم أنه منصرف و قد بينا أن جميع ما تدخله الألف و اللام و الإضافة ينصرف فلما كان جميع الأسماء إذا دخلها ما ذكرنا انصرف لم يحتج إلى فرق فسقط التنوين للاستغناء عنه.
و اعلم أنك إذا قلت: جاءني قاض، فالأصل أن تضم الياء في الرفع و تجرها في الجر و لكن [١] الضمة تستثقل في هذه الياء و الكسرة فحذفنا فسكنت الياء فالتقى ساكنان الرفع و التنوين فتسقط الياء لالتقاء [٢] الساكنين، و كانت أولى من التنوين لأن التنوين علامة و الياء [٣] ليست بعلامة فكان تبقية العلامة أولى [٤] فإذا وقعت على الاسم فقلت: هذا قاض فالاختيار حذف الياء أيضا في الوقف.
فإن قيل: فهلّا زدت الياء قبل التنوين؟
قيل له: التنوين و إن سقط في الوقف فهو مراعى الحكم في الدرج و كرهوا رد الياء في الوقف لما يلزمهم من حذفها في الدرج فكان ذلك يؤدي إلى تعب
[١] في الأصل: لاكن.
[٢] في الأصل: للاتقاء.
[٣] في الأصل: التاء، و قد كثر الخلط في النقاط بين قوله: الباء، و التاء، و الياء.
[٤] انظر شرح الأشموني ٢/ ٥١٩- ٥٢١، فقد فصّل الحديث في هذا الموضوع، و بين مذاهب النحاة فيه.