العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٢٧
فالجواب في ذلك: أن موضع كان موضع الإخبار للفائدة، فمتى حصل فيها فائدة للمخاطب جاز استعمالها و متى بعدت/ من الفائدة لم يجز استعمالها، فلو قال قائل: كان رجل قائما، لم يكن في هذا الكلام فائدة للمخاطب لأن المخاطب يعلم أن الدنيا لم تخل من رجل قائم، و لو قال له: كان رجل في الدار قائما، لكانت له في ذلك فائدة لأن المخاطب قد يجهل أن يكون في الدار رجل قائم إذا كانت الدار معينة، فقد بان بما ذكرناه أنه لا تختلف المعرفة و النكرة في الإخبار عنها إذا كان في الخبر فائدة إلا من جهة الحسن و القبح، و جاز أن يخبر عن النكرة لأن المخاطب مستفيد ما قد كان يجوز أن يجهله. ألا ترى أنك إذا تقول: ما كان أحد مثلك، فقد يجوز أن يكون يعتقد أن له مثلا ثم يستفيد بخبرك عنه خلاف ما كان يعتقده، فقد بان أن في هذا الخبر و إن كان نكرة فائدة، و إن لم يجز استعمال عكس هذا في الواجب نحو: كان أحد مثلك، لأن أحدا اسم عام و النفي يصح أن يقع على عموم الأشياء و لا يصح إيجابها، ألا ترى أنك لو قلت:
ما جاءني أحد، لصح الكلام، و لو قلت: جاءني أحد، كان محالا إذا أردت بأحد الناس أجمعين و إنما اختص النفي بهذا لأنه قد يصح نفي الضدين و لا يصح إثباتهما نحو قولك: زيد ليس بالأبيض و لا الأسود، و لا يجوز أن تقول: زيد أبيض أسود، فجاز أن يختص النفي ببعض العبارات التي للعموم لأن في العموم اجتماع الأضداد، كما جاز أن يختص بجواز نفي الضدين، و لم يجز وقوع العموم المختص بالنفي في الإيجاب كما لا يجوز اجتماع الضدين في جوهر واحد [١].
فإن قال قائل: فلم جاز تقديم الخبر على هذه الأفعال و لم يجز تقديم الاسم؟
قيل له: إن الاسم المرفوع في هذه الأفعال مشبه بالفاعل و الخبر مشبه بالمفعول، و من شرط المفعول أنه يجوز أن يتقدم على الفاعل و الفعل و لا يجوز تقديم الفاعل
[١] انظر سيبويه ١/ ٥٤ هذا باب تخبر فيه عن النكرة بنكرة. (هارون).