العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٢٧٤
الحروف التي يليها الاسم مرة و الفعل مرة، و قد بيّنا أن من الحروف ما كان على هذا السبيل لم يعمل شيئا، فإذا كان الأمر على ما ذكرناه، و وجدنا العرب تنصب الفعل بعد الفاء في جواب ما ذكرناه علمنا أن النصب إنما وجب بغيرها، و إنما هو بإضمار (أن) و وجه تقدير (أن) بعد الفاء أن تقدر ما قبلها تقدير المصدر المقدم قبلها كقولك: ما تأتيني فتحدثني، و التقدير ما يكون منك إتيان فحديث، و إنما وجب أن تقدر ما قبل الفاء بتقدير المصدر، لأنه لا يخلو أن يكون ما قبلها فعلا و فاعلا أو مبتدأ و خبرا، و الفعل يدل على المصدر و الجملة أيضا يجوز أن تجعل في تقدير فعل و فاعل كقولك: ليت زيدا عندنا فنكرمه، أي ليت كونا من زيد فإكراما، و على هذا يجري جميع ما يقع قبل الفاء إذا نصبت ما بعدها، و إنما كانت (أن) بالإضمار أولى لأن الأصل في حروف النصب أن يليها الماضي و المضارع، فلقوتها كانت أولى بالإضمار من أخواتها، و جاز أن تضمر و تعمل و إن كانت حرفا، لأن الفاء قد صارت عوضا منها، و لم يجز إظهارها لأن ما قبلها في تقدير المصدر من غير إظهار اللفظ، فلما كان المعطوف عليه مصدرا غير مظهر اختاروا أن تكون (أن) مضمرة بعد الفاء ليشاكل ما قبلها.
و اعلم أنك إذا قلت: ما تأتيني فتحدثني، فلك فيه وجهان: النصب و الرفع، فالنصب على ما قدرناه، و معنى الكلام إذا نصبت على وجهين:
أحدهما: أن يكون معناه ما تأتيني فكيف تحدثني، أي الذي يمنع من الحديث ترك الإتيان، و إنما دخل هذان المعنيان في معنى حكم المنصوب لأن الفاء قد بينا أنها للعطف و يجب أن يكون الثاني بعد الأول، فلما كان/ معنى قولك: ما يكون منك إتيان فحديث منقطعا من الأول متصلا من أصل اللفظ، جاز أن ينفي الإتيان و يتعلق الحديث به و ينتفي معه لدخول معنى الاتصال في الفاء.
[١] استغنى الوراق عن ذكر الوجه الثاني لتقدمه.