العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٢٩٩
ألا ترى أنك تقول: جاءني اثنان و ثلاثة و لا يجوز أن تقول جاءني مثنى و ثلاث حتى تقدم قبله جمعا لأنه جعل بيانا لترتيب الفعل.
فإذا قال القائل: جاءني القوم مثنى أفادنا أن ترتيب مجيئهم قد وقع اثنين اثنين، و أما الأعداد نفسها فإنما الغرض فيها الإخبار عن مقدار المعدود دون غيره فقد بان بما ذكرناه اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العلّة مقام علتين لإيجابها حكمين مختلفين.
و وجه ثالث: أن الظاهر في هذه الأعداد المعدولة أن تكون معدولة من المؤنث، فإذا كان المعدول من المؤنث الذي لا هاء فيه كان أخف، فصار معنى التأنيث الذي فيها مع الصفة علتين، فلذلك لم ينصرف، فأما (آخر) فالذي أوجب أن يكون معدولا عن الألف و اللام أن الواحدة منه أخرى مثل الفعلى و باب الفعلى و الأفعل تستعمل بالألف و اللام أو بمن كقولك: زيد أفضل من عمرو، و إن شئت قلت: زيد الأفضل، فكان القياس أن يقال: زيد آخر من عمرو كما يقال: أقدم من عمرو، إلا أنهم حذفوا (من) و السبب في ذلك أن معنى الآخر بعد أول فلما صار لفظها مقتضيا لمعنى (من) أسقطوا (من) اكتفاء بدلالة اللفظ عليها، و الألف و اللام تعاقب (من) فلما جاز استعمالها بغير (من) جاز استعمالها أيضا بغير ألف و لام فصار الآخر و الأخرى معدولين عن حكم نظائرهما؛ لأن الألف و اللام استعملا فيها ثم حذفا، و الدليل أن العدل إنما كان على طريق الذي ذكرناه دون الآخر و الأخرى أنه لو كان الآخر و الأخرى قد استعملا بالألف و اللام ثم عدلا عن الاستعمال لوجب أن يبقى حكم التعريف بالألف و اللام فيهما كما أن (سحر) لما عدل عن استعمال الألف و اللام بقي معرفة فدل تنكير آخر و أخرى أنهما لم يعدلا ما استعمل فيه، و إنما عدلا عن نظائرهما.