العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٢٢
و يحتمل وجها رابعا: و هو أن هذا الفعل لما خولف به عن طريق أخواته من الأفعال جعل لفظه مخالفا لحكم ما ينفيه؛ ليدل بهذا الخلاف في اللفظ على أنه قد ألزم وجها واحدا، و لو استعملوا من (ليس) المضارع لم يكن في المستعمل على خروجه من الأصل و جاز أن يشك في استعمال لفظ الماضي، فعدل به إلى جهة ترفع الشك من هنا.
فإن قال قائل: فلم لزمت بعض هذه الأفعال (ما) نحو: ما زال، و ما انفك، و ما برح، و ما فتئ، و ما دام، و هل ل (ما) فيها حكم واحد؟
فالجواب في ذلك أن (ما) في دام وحدها مخالفة ل (ما) في باقي الأفعال، و ذلك أن (ما) في ما زال تبقى من سائر الأفعال للنفي و هي في (مادام) لغير النفي [١] و إن (ما) مع ذلك بمنزلة المصدر و النائب عن الفعل، و الدليل على ذلك أنه لا يصح الابتداء بها و إنما تستعمل متعلقة بفعل كقولك: إني أنتظرك ما دمت قائما، و المعنى: وقت دوام قيامك، فموضع الوقت نصب بانتظارك، فلما حذفت الوقت صار موضع (ما دام) نصبا لقيامه مقام الوقت كما تقول: انتظرك خفوق النجم، و لو كانت في مادام للنفي لوجب أن يبتدأ بها كما يبتدأ بأخواتها من الأفعال التي معها كقولك ما زال زيد قائما، و ما انفك عمرو ذاهبا فبان بذلك اختلاف حكم ما ذكرناه.
و إنما لزمت هذه الأفعال (ما) سوى دام لأن فيها معنى النفي، و ذلك أن قول القائل: زال زيد و برح، أي: انتفى من هذه المواضع، و فتئ بمنزلة زال في المعنى، و انفك معناه: افترق، و الافتراق/ بمعنى الانتفاء لأنه زوال عن [٢] حال الاجتماع،
[١] قال الخليل في حديثه عن (ما) في موضع الظرف:" قول اللّه تبارك و تعالى: ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ* أي: بقاء السموات و الأرض. و موضعها النصب". انظر كتاب الجمل في النحو: ٣٠٨.
[٢] في الأصل: على، و قد أثبت ما يناسب الفعل من حروف الجر.