العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٢٢٠
و اعلم أن إقامة الآلة مقام المصدر جائز، و إنما الغرض فيه الاختصار فإذا قلت [ضربت] زيدا سوطا واحدا، دل ذكر السوط على أن الضرب به وقع، و يثنى و يجمع فتكون تثنيته و جمعه دلالة على الضرب فإذا قلت: ضربت زيدا مئة سوط فالمعنى مئة ضربة بسوط واحد.
و اعلم أنك إذا قلت: أنت سيرا سيرا، فإنما المعنى أنت تسير سيرا فحذفت الفعل لدلالة المصدر عليه إذ كان مشتقا من لفظ المصدر، و مع هذا فإنهم جعلوا أحد المصدرين بدلا من الفعل، و يجوز أن يكون حذفوا الفعل ههنا؛ لأن المبتدأ يجب أن يكون خبره هو و السير غير أنت فدلّ ذلك على المحذوف و هو يسير، و قد يجوز الرفع فتقول: أنت سير سير، فالرفع على وجهين: أحدهما أن يكون التقدير: أنت صاحب سير فحذف الصاحب و أقيم السير مقامه، و مثل هذا قول الخنساء:
ترتع ما علقت حتى إذا ادّكرت
فإنما هي إقبال و إدبار
أي صاحبة إقبال و إدبار.
و الوجه الثاني أن تجعل المبتدأ هو على سعة الكلام و يكون المعنى فيه أن السير كثر منه فجرى مجراه.
و أما مرحبا و أهلا فإنما حذف الفعل منه على وجهين:
[١] زيادة ليست في الأصل يقتضيها السياق.
[٢] البيت للخنساء و هو من البحر البسيط و هو في ديوانها ٥٣، و في الكتاب ١/ ٣٣٠٧، و الكامل ١/ ٣٧٤ و ٣/ ١٣٥٦- ١٤١٢، و المقتضب ٣/ ٢٣٠- ٤/ ٣٠٥، و شرح أبيات سيبويه للنحاس ٥٥، و شرح أبيات سيبويه للسيرافي ١/ ٢٨٢، و الخصائص ٢/ ٢٠٣- ٣/ ١٨٩، و في أمالي ابن الشجري ١/ ١٠٦، و في شرح المفصل ١/ ١١٥، و في اللسان (رهط) ٩/ ١٧٧- (قبل) ١٤/ ٥٤- (سوا) ١٩/ ١٣٥، و في خزانة الأدب ١/ ٤٣١.
و رواية الديوان: ترتع ما رتعت حتى إذا ... و الخنساء هي تماضر بنت عمرو بن الشريد، عاشت في الجاهلية و الإسلام. انظر الشعر و الشعراء ١٢٢.
العلل في النحو، ص: ٢٢١
أحدهما: أن يكون مصدرا للفعل من لفظه، فكأنه بدل من رحبت مرحبا، و أهلت أهلا، و إن لم يستعمل.
و الوجه الثاني أن يكون مفعولا لفعل من غير لفظه كأنه قال: أصبت أهلا و أصبت مرحبا.
و أما لقيته فجاءة و ما أشبهه فنصبه على وجهين:
أحدهما: أن تضمر فعلا بعد لقيته من لفظ فجاءة ينصبها؛ لأن اللقاء قد يكون على ضروب ففيه دلالة مجيء فلهذا جاز إضماره.
و الوجه الثاني: أن تجعل نفس لقيته عاملا فيه؛ لأن اللقاء لما كان قد يقع على هذه الصفة صار لقيته بمنزلة فاجأته، و كذلك أخذته عنه سماعا، و أما قولهم:
مررت بهم الجماء الغفير فإنما قدر في موضع الحال كقولهم:
أرسلها العراك
و لم تجىء الأسماء غير المصادر في موضع الحال بالألف و اللام و إنما قدرناه حالا؛ لأن الفعل الذي قبله ليس من لفظه، و لا يرجع إلى معناه إذ كان الغفير في المعنى إنما يراد بهم القوم، و الحال هو الاسم الذي قبلها فلهذا قدر في موضع الحال.
فإن قال قائل: فلم جاز في المصادر أن تقع موقع الحال و فيها الألف و اللام؟
ففي ذلك جوابان: أحدهما: بأن يكون المصدر منصوبا بفعل من لفظه و ذلك الفعل في موضع الحال فلما حذف الفعل قام المصدر مقامه فجاز أن يقال إنه في
[١] الكتاب ١/ ١٨٨ (بولاق).
[٢] الكتاب ١/ ١٨٧ (بولاق) و أورد عليها شاهدا بيتا للبيد بن ربيعة قوله:
فأرسلها العراك و لم يذدها
و لم يشفق على نغص الدّخال
و انظر المقتضب ٣/ ٢٣٧، و الأصول ١/ ١٦٤.