العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٢٧٩
و اعلم أن الأسماء كان حقها ألا تستعمل في باب الجزاء إلا أن هذه المعاني حقها أن تختص بالحروف و تكون الأسماء دالة على المسميات فقط و إنما أدخلوها في الجزاء لفوائد، و أما (من) فجاز استعمالها في الجزاء لأن (من) فيها معنى العموم لجميع من يعقل، فلو استعملت (إن) وحدها و غرضك العموم لم يمكنك أن تقدر جميع الأسماء التي للأشخاص، ألا ترى أنك إذا قلت: من يأتني أكرمه، أن هذا اللفظ انتظم الجميع أعني جميع من يعقل، و إذا قلت: إن يأتني زيد أكرمه، و عددت أشخاصا كثيرة على التفصيل لم يستغرق جميع من يعقل/ و إن توسع في ذكر أقوام، و (من) تقتضي العموم من غير تكرير فلذلك استعملت في باب الجزاء.
فإن قال قائل: فما الفائدة في استعمال (أي) في باب الجزاء و هي لا تختص لشيء فهلا اكتفي بإضافتها؟
فالجواب في ذلك أنها استعملت لمعنى الاختصار، و ذلك أنك إذا قلت: أي يأتني أكرمه، ناب (أي) عن قولك: إن يأتني بعض القوم أكرمه، فلما كان اختصار لفظ من (أن) تضمنها معنى الإضافة و لم يكن بدّ إلى القوم من ذكر المضاف و المضاف إليه استعملت في باب الجزاء لما ذكرناه من الاختصار.
و أما (متى) فاستعملت في الجزاء لاختصاصها بالزمان، و فيها معنى العموم لجميع الأوقات فجرى مجرى (من) في جميع من يعقل، ألا ترى أنك إذا قلت:
متى تقم أقم، جمع هذا اللفظ جميع الأوقات و لن تحتاج أن تخص وقتا بعينه، و لا يمكنك أن تقدر جميع الأوقات، و حكم (أين) في المكان كحكم (متى) في الزمان.
و أما (أنّى) فمستعمل بمعنى (كيف) و فيها معنى الحال، و هي تقتضي العموم و يدخلها أيضا مع ذلك معنى التعجب كقولك في الاستفهام: أَنَّى يَكُونُ لِي*
[١] في الأصل: يأتي.
[٢] في الأصل: احضار.