العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٢٤٠
باب التوكيد
اعلم أن الغرض في البدل خلاف الغرض في النعت، و ذلك أن النعت إنما يؤثر به بيانا للمنعوت فيصير في التقدير كجزء من المنعوت، و أما البدل فالغرض فيه أن يجمع المخاطب البدل و المبدل منه على أنه قد يجوز أن يفهم بالمبدل منه وحده، و قد يجوز أن يفهم بهما جميعا كقولك: مررت بأخيك زيد، فالمخاطب يجوز أن يعرف زيدا باسمه أو بأنه أخ للمخاطب أو بمجموعهما، فهذا الفصل بين البدل و النعت، و أما التوكيد فالغرض إثبات الخبر عن المخبر عنه و ذلك أنك إذا قلت:
جاءني زيد نفسه، أخبرت أن الذي تولى المجيء هو بعينه، فلذلك دخل التوكيد في الكلام و لهذه العلّة لم يجز أن تؤكد النكرة؛ لأنه ليس لها عين ثابتة كالمعارف، فلم يحتج إلى إثباتها إذ كانت لا تثبت بالتوكيد فلهذا أسقط التوكيد عنها.
و لما كانت المضمرات معارف جاز توكيدها؛ لأن أعيانها ثابتة إلا أن يكون المضمر مجهولا فلا يجوز توكيده كالمضمر بعد رب نحو قولك: ربه رجلا، و كالمضمر بعد نعم و بئس، و ما أشبه ذلك.
و اعلم أن الأسماء التي يؤكد بها لها مراتب، فالنفس و العين يجب تقديمهما على كل حال، و إنما كانا بالتقديم أولى لأنهما قد يستعملان غير مؤكّدين كقولك:
نزلت بنفس الجبل، و رأيت عين زيد، فلما كانا يستعملان مفردين لغير معنى التوكيد، و كان (كلا) و (أجمعون) لا يجوز أن يستعملا إلا تابعين أو في تقدير التابع وجب أن يقدم ما يقوم بنفسه على التابع، و أما تقديم (كل) على أجمعين فإنما ذلك؛ لأن (كلا) قد تستعمل مبتدأة كقولهم: كلهم منطلقون، و لا يجوز أن تقول: أجمعون منطلقون، فلما كانت كل قد تستعمل مبتدأة، و ليس قبلها ما
[١] في الأصل: فلهذا.
[٢] يعني تقديمهما على غيرهما من ألفاظ التأكيد.