العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٧٨
زيد ضربته و عمرا كلمته، و إنما اختير النصب؛ لأن النفي لمّا كان غير واجب ضارع الاستفهام فاختير فيه النصب كما يختار في الاستفهام، و الرفع أحسن في الاستفهام؛ لأن النفي تقديره أن يدخل على الموجب كأنك أدخلت (ما) على قولك: زيد ضربته، فلما دخل النفي على شيء قد استقر فيه الرفع كان بقاؤه على ما كان عليه حسنا.
فإن قيل: فهلّا كان الرفع المختار لأجل هذه العلّة؟
قيل له: إنما ذكرنا أن النفي يدخل على لفظ الإيجاب على طريق التقدير و ليس ذلك بواجب، ألا ترى أنك تقول: ما جاءني أحد، و لو قدرت الكلام موجبا لم يجز، فبان أن النفي قائم بنفسه و إن دخل [١] على الكلام الموجب، فإذا كان كذلك يدخل النفي بطل الإيجاب، و صار الحكم للنفي، و حصل مضارعا للاستفهام، و اختير النصب بحصول مضارعته للاستفهام في اللفظ و حسن الرفع لما ذكرناه من التقدير.
و اعلم أنك إذا جئت فيه بالأمر و النهي و المجازات فالرفع فيها بعيد كقولك:
زيد اضربه، و زيد لا تضربه، و إن زيد تكرمه يأتك، و النصب هو المختار و الرفع قبيح، و إنما قبح الرفع؛ لأنها أشياء لا تكون إلا بالفعل، فبعدت من الرفع، و إنما جاز الرفع لأنك بدأت بزيد، و شغلت الفعل عنه بضميره فامتنع عن العمل في زيد، فشبه بقولك: زيد ضربته، إذا كان الرفع لا يضير المعنى، و استخف إذا كان فيه إسقاط تقدير فعل مضمر و هذا الذي ذكرناه يجوز في الأمر و النهي.
فإن قال قائل: من شرط خبر المبتدأ أن يجوز فيه الصدق و الكذب و الأمر و النهي لا يجوز أن يكون فيهما، فكيف جاز أن يقعا خبرا للمبتدأ؟
قيل: جاز ذلك بحمل الكلام على معناه، و ذلك أن الأصل اضرب زيدا، فإذا
[١] في الأصل: و إن ربما دخل على الكلام ...، و ربما هنا زائدة.