العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٥١
فإن قال قائل: فما الفصل بين جعلها منصوبة على الظرف و بين أن تجعل مفعولات كزيد؟ قيل له: الفصل بينهما أنه إذا كانت منصوبة على الظرف تضمنت (في) و إنما تحذف (في) استغناء بدلالة الظرف عليه ألا ترى أن قولك:
قمت اليوم، إنما معناه [١]: قمت في اليوم، فحذف (في) فوصل الفعل إلى اليوم، و إنما ينفصل حكم الظرف و غيره من المفعولين في الإضمار إذا قيل لك أضمر اليوم، قلت: قمت فيه، فأظهرت حرف الجر، و إذا قيل لك أضمر زيدا في قولك:
ضربت زيدا، قلت: ضربته، فانفصل الإضمار في اللفظ، و إنما أظهرت المضمر؛ لأن لفظ المضمر يدل على اللفظ دون غيره فأظهرت (في) لتدل بها على أن المضمر ظرف فلما كان الظرف يتضمن في و هو مفعول شبه بالمفعول الذي لا يتضمن حرف الجر لاشتراكهما في كونهما مفعولين، فصار حمل الظرف على المفعول يفيدنا تخفيف اللفظ و إسقاط حرف الجر من تقديرنا، و لم يجز حمل المفعول على الظرف؛ لأن تلك توجب فعلا في النية، و اللفظ إنما حمل المفعول على الظرف لما ذكرناه من الخفة فإذا جعلت الظرف مفعولا على سعة الكلام أضمرته كما تضمر المفعول/ فقلت اليوم قمته، كما تقول: زيد ضربته، قال الشاعر [٢]:
و يوم شهدناه سليما و عامرا
قليل سوى الطعن النهال نوافله
فإن قال قائل: فما الذي أحوج إلى نقل هذه الظروف إذا أقيمت مقام الفاعل؟
قيل له: لأن الفعل لا يتعلق به الفاعل بواسطة بينه و بين الفعل، فلو لم تنقل هذه الظروف إلى باب المفعول كما قد أقمناها مقام الفاعل و هي مع ذلك
[١] في الأصل: منعناه.
[٢] البيت من البحر الطويل جاء في الكتاب ١/ ١٧٨، الكامل ١/ ٤٩، المقتضب ٣/ ١٠٥- ١٠٧، كتاب الشعر للفارسي ١/ ٤٥، أمالي ابن الشجري ٣/ ٢٢٦، شرح المفصل ٢/ ٤٦، ارتشاف الضرب ٢/ ٢٧٠، مغني اللبيب ٦٥٤، الهمع ٣/ ١٦٦، و قد نسبه بعضهم لرجل من بني عامر.