العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٥٤
و وجه آخر و هو أن الكلمة لما استعمل فيها الهاء و التاء و وجدنا التاء أثقل من الهاء و لم نجد الهاء في غير هذا الموضع تحتمل أن تكون للتأنيث، وجب أن تقدر الهاء بدلا من التاء و ذلك جائز لأنه عدول من الأثقل [١] إلى الأخف، فإذا كان ذلك محتملا وجب حمله على ما ذكرنا لئلا يخرج عما في كلامهم.
فإن قيل: فما الحاجة في الفصل بين تأنيث الاسم و تأنيث الفعل؟
قيل: لأن الفعل قد يسمى به فإن سمي بفعل فيه علامة تأنيث لزم أن يوقف عليه بالهاء كرجل سمي بقامت فيقال: جاءني قامة فيوقف بالهاء، فصار من الفصل بينهما بيان و دلالة على الاسم و الفعل. فإذا قال: فلم كان الاسم بالتغيير أولى من الفعل؟ قيل له: لأن التاء إنما تلحق من الأفعال الفعل الماضي، و الفعل الماضي مبني على الفتح فلزم طريقة واحدة، و الاسم يلحقه الإعراب فيتغير آخره فلما احتجنا إلى تغيير أحدهما غيرنا ما يلحقه التغيير و هو الاسم.
فإن قال قائل: فلم كانت هذه الهاء أولى بالبدل من سائر الحروف؟
قيل: لأن الهاء حرف خفي و هو من مخرج الألف [٢]، فكرهوا أن يبدلوا التاء ألفا فيلتبس بالألف التي هي بدل من التنوين فكانت الهاء أولى لذلك.
و اعلم أن التاء في جمع المؤنث حرف الإعراب فتضم في حال الرفع و تكسر في حال النصب و الجر، و قد بينا أن الكسر إنما دخلها في حال النصب حملا على المذكر و قد اشتركا في جمع السلامة فلما سوّي بين النصب و الجر في الأسماء المذكورة سوّي أيضا بينهما في جمع المؤنث.
فإن قال قائل: قد قلتم إن الجمع السالم ما سلم فيه بناء الواحد و إن المكسر ما
[١] في الأصل: الإثقال.
[٢] للتفصيل انظر العين ١/ ٥٢، و التمهيد في علم التجويد ١١٣.