العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٣٣
فإن قال قائل: فلم جعلت تلك الحركة الفتحة؟ قيل: لأن الغرض بتحريكه أن تحصل له مزية على فعل الأمر، و بالفتح نصل إلى غرضنا كما نصل بالضم و الكسر. إلا أن الفتح أخف الحركات فوجب استعماله لخفته. و وجه آخر: و هو أن الجر لما منع الفعل، و هو كسر عارض، و الكسر اللازم أولى أن يمنع الفعل، فلهذا لم يجز أن يبنى على الكسر و لم يجز أن يبنى على الضم لأن بعض العرب [١] تجتزئ بالضمة عن الواو فتقول في قاموا: قام، قال الشاعر [٢]:
فلو أن الأطبا كان حولي
و كان مع الأطباء الأساة
فلو بنى على الضم لالتبس بالجمع في بعض اللغات [٣] فأسقط للالتباس [٤]، و أسقط الكسر لما ذكرناه، فلم يبق إلا الفتح فبني عليه.
فإن قال قائل: ما تنكرون أن يكون فعل الأمر مجزوما بلام محذوفة، لأن الأصل في قم: لتقم [٥] و الدلالة في ذلك قراءة النبي صلّى اللّه عليه و آله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ١٠/ ٥٨] [٦] فحذفت اللام و التاء، و بقي الفعل مجزوما كما كان.
قيل له هذا يفسر من وجوه:
[١] قال الفراء في معاني القرآن:" إن إسقاط الواو لغة في هوازن و عليا قيس" ١/ ٩١.
[٢] البيت من البحر الوافر، و لم يعرف قائله و هو في معاني القرآن للفراء ١/ ٩١، و الإنصاف ١/ ٣٨٥ و الرواية فيه (الشفاة)، و أسرار العربية ٣١٧ و الرواية فيه (الشفاء)، و المساعد ١/ ٨٥، ارتشاف الضرب ٣/ ٣٠٩، و شرح المفصل ٧/ ٥- ٩/ ٨٠، و المقاصد النحوية ٤/ ٥٥١، و الهمع ١/ ٢٠١، و الخزانة ٥/ ٢٢٩.
[٣] في الأصل: اللغاة.
[٤] في الأصل: للإتباس.
[٥] هذا مذهب الكوفيين كما جاء في شرح الأشموني ١/ ٢٣.
" و أما الأمر فذهب الكوفيون إلى أنه معرب مجزوم بلام الأمر مقدرة، و هو عندهم مقتطع من المضارع، فأصل:
قم: لتقم، فحذفت اللام للتخفيف، و تبعها حرف المضارعة ...".
[٦] و الآية: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، انظر حجة القراءات ٣٣٣ و فيه أن يعقوب قرأها عن رويس و جعلها هي الأصل؛ لأنها عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، و المبسوط في القراءات العشر ٢٣٤.