العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٣٢
و وجه آخر: أن الفعل يدل على مصدر و زمان، و الزمان جزء من الفعل، فلما جازت إضافة البعض إلى الكل/ جازت إضافة الزمان إلى الفعل كما يجوز أن تقول: ثوب خزّ. و قال الأخفش [١] في ذلك إن جميع ظروف الزمان يتعدى الفعل إليها بغير توسط حرف الجر، و ظروف المكان إنما يتعدى الفعل إلى المبهم منها بغير توسط حرف الجر فجعلت إضافة ظروف [٢] الزمان إلى الفعل عوضا من ذلك [٣].
فأما (حيث) من ظروف المكان فيجوز إضافتها إلى الفعل تشبيها ب (حين) لأنها مبهمة في المكان كإبهام حين في الزمان، فلذلك جاز إضافتها إلى الفعل، فاستقر بما ذكرنا أن الجر للأسماء و الجزم للأفعال، و بقي الرفع و النصب مشتركين للأسماء و الأفعال.
فإن قال قائل: قد قلتم إن أصل الأفعال السكون ثم بينتم وجوب الإعراب للمضارع، فمن أين اختلف فعل الأمر، و الفعل الماضي فبنيتم الماضي على الفتح، و الأمر على السكون؟ فالجواب [٤] في ذلك أن الفعل الماضي قد حصلت له مشابهة بالاسم من وجه، و ذلك في الصفة نحو قولك: مررت برجل قام، كما تقول: مررت برجل قائم، و يقع موقع المضارع في الشرط كقولك: إن ضربت ضربت، فهو بمنزلة: إن تضرب أضرب، و فعل الأمر لا يقع هذا الموقع فجعل للماضي مزية على فعل الأمر، و لم تبلغ هذه المزية أن توجب له الإعراب، فوجب أن يجعل الماضي حكمه بين حكم المضارع و بين فعل الأمر فمنع الإعراب لنقصه عن المضارع، و فضل بحركة لمزيته على فعل الأمر.
[١] هو الأخفش الأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي ت ٢١٥، و كان بصريا.
انظر: طبقات النحويين و اللغويين ٧٤، و الإنباه ٢/ ٣٦، و إشارة التعيين ١٣١، و البغية ٢٥٨، و معاني القرآن للأخفش ١/ ١٣.
[٢] في الأصل: حروف. و قد أثبت ما رأيته مناسبا.
[٣] للتفصيل انظر معاني القرآن للأخفش ١/ ٨٨- ٨٩ باب إضافة الزمان إلى الفعل.
[٤] يشرح الورّاق هنا ما ذكره سيبويه في الكتاب ١/ ١٦ (هارون).