العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٢٣٢
و اعلم أن (إمّا)/ في العطف أصلها (إن ما) فأدغمت النون في الميم، و الدليل على أن الأصل ما ذكرناه قول الشاعر:
لقد كذبتك نفسك فاصرفنها
فإن جزعا و إن إجمال صبر
أراد (إما) و الدليل على ذلك أنه لم يأت ل (إن) بجواب بعد البيت و لا قبله، و ذلك أن الفاء إذا دخلت على حرف الشرط لم يجز أن يكون ما قبلها جوابا لها كقولك: أنا أحبك فإن أتيتني، و لو أسقطت الفاء صار ما قبلها جوابا فدلّ على ما ذكرناه أن البيت لا يحتمل إلا معنى (إما) و إذا كان كذلك صح أن أصلها من (إن) و (ما).
فإن قال قائل: (إما) هذه التي تكون للشك هي التي تكون للجزاء أو غيرها؟
قيل له: هي هي إلا أنها في الشك يلزم تكريرها، و إنما انتقلت للجزاء؛ لأن الشرط يجوز أن يكون و يجوز ألّا يكون، و معنى (إمّا) في العطف إيجاب أحد الشيئين، لما تضارعا من هذا الوجه أدخلت في العطف، أعني التي للجزاء مع (ما).
و اعلم أن (إما) في العطف إذا تكررت فإن العاطفة منها الثانية لا الأولى، و إنما أدخلت الأولى لوجهين:
[١] البيت من البحر الوافر، و هو منسوب لدريد بن الصمة و هو في ديوانه ٦٨، و في شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ١/ ٢٠٩، و في أمالي ابن الشجري ٣/ ١٥٠، و في الخزانة ١١/ ١٠٩، و هو بلا نسبة في الكتاب ١/ ٢٦٦- ٣/ ٣٣٢، و في الكامل ١/ ٣٧٨، و في المقتضب ٣/ ٢٨، و في شرح أبيات سيبويه للنحاس ١٢٤- ٣٢١، و في شرح المفصل ٨/ ١٠١، و في المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٤٦٣، و في ارتشاف الضرب ٢/ ٢١٣، و في الهمع ٥/ ٢٥٤.
و رواية الديوان: لقد كذبتك نفسك فاكذبيها ...
[٢] و نقل ذلك عنه أبو حيان أثير الدين الأندلسي في كتابه (تذكرة النحاة)، و مطابقة النصين دليل على أن النص للوراق هذا صاحب العلل، و ليس لوراق آخر كما ذكر محقق التذكرة في الحاشية [٣] من الصفحة ١٠٩.
[٣] المعروف أن جواب الشرط لا يتقدم عليه، و إذا تقدم عليه وجب حذف جملة الجواب. انظر حذف جملة جواب الشرط- المغني ٧٢١.