العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ٢١٤
فأتوا بالفاء، فقد بان بما ذكرناه أن الفاء تطلب الاسم فوجب أن يضمر بعدها المبتدأ فيصير خبرا له، فلهذا اختير الرفع في الثاني.
و أما الوجه الثاني فإنه صار أقرب إلى الأول، لأنك تضمر أيضا بعد (إن) فعلا فأنت مخير إن شئت كانت (كان) التي بمعنى وقع، و إن شئت أضمرت (كان) التي هي عبارة في خبرها.
و الوجه الثالث أضعف من هذا، لأنك تضمر بعد الفاء شيئين، و هو الفعل و المبتدأ، و ذلك أنك إذا قدرت الكلام على شيء يجيء مؤخرا لم يكن بد للفاء من مبتدأ لما ذكرناه من أنها تطلب المبتدأ فضعف لكثرة الإضمار من غير ضرورة تدعو إليه.
و أما الوجه الرابع فأضعفها؛ لأنه عكس المختار، لأنك ترفع الأول و تنصب الثاني فلهذا ضعف جدا، و أما قولهم: قد كان ذلك إن صالحا و إن فاسدا، فإنما وجب نصبه؛ لأن قولك قد كان ذلك إشارة إلى أمر ما، فالصالح و الفاسد هو ذلك الأمر بعينه، فإنما يرتفع مثل هذا على أنك تقدره اسم (كان)، و تجعل الخبر في تقدير الظرف له، و محال أن تكون جملة الشرط ظرفا لجميعه فلهذا استحال أن تقدره بقولك: إن كان فيه صالح، فأما إذا قلت: إن كان فيه صلاح أو فساد فجائز؛ لأن الصلاح و الفساد غير الشيء المذكور، فجاز أن تقدر في تقديره الظرف للصلاح و الفساد فلهذا حسن رفعه، و أما قول الشاعر:
لا تقربنّ الدهر آل مطرّف
إن ظالما فيهم و إن مظلوما
[١] في الأصل: تدعوا.
[٢] البيت لليلى الأخيلية، و هو من البحر الكامل، و هو في ديوانها ١٠٩، و في كتاب الجمل في النحو، للفراهيدي ١١١، الكتاب ١/ ٢٦١ (هارون)، شرح أبيات سيبويه للنحاس ١٢٣، شرح أبيات سيبويه للسيرافي ١/ ٣٤٥، و في أمالي المرتضى ١/ ٥٨، و في المساعد ١/ ٢٧١، و في الارتشاف ٢/ ٩٧، و في الهمع/ ١٠٢.
و الرواية في الديوان:
لا تغزونّ الدهر ...
لا ظالما أبدا و لا مظلوما