العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٩٨
يشكل عليه خطابك له إذ كان هذا اللفظ يصح أن يكون له و لغيره، فهلّا جعل المنادى كالمضمر إذ كان مخاطبا و إن وقع فيه اللبس الذي ذكرته.
قيل: الفصل بينهما أن المنادى معرض عمن يناديه، و ليس يعلم أنه المقصود إلا بنفس اللفظ فقط، و اللفظ لا يدل عليه دون غيره فاحتجنا إلى ذكر اسمه ليعرفه [١]، و أما المخاطب غير المنادى فثم إشارة بيد أو عين مع اللفظ، فصار هذا المعنى يضطر المخاطب إلى العلم بأنه مقصود بالخطاب، فلهذا استغني بالمضمرات عن الأسماء الظاهرة.
و اعلم أن المنادى المعرفة فيه اختلاف فمن النحويين من يقول: إن تعريفه الذي كان فيه قبل النداء قد بطل و حدث فيه تعريف آخر بالنداء [٢]. و أما ابن السراج فيقول تعريفه باق فيه [٣]، و الأجود القول الأول و إنما كان أجود؛ لأن الاسم العلم تعريفه من جهة القصد، و إذا اجتمع معنى القصد إلى النداء تعرف المنادى.
ألا ترى أن قولك: يا رجل، معرفة بالقصد و (يا)، فوجب إذا نادينا زيدا و ما أشبهه أن يبطل تعريفه من جهة النية، و يصير ما حصل له من التعريف بالقصد
[١] في الأصل: ليرعفه.
[٢] قال المبرد:" قد علمنا أن المضاف معرفة بالمضاف إليه، كما كان قبل النداء، و النكرة في حال النداء، كما كان قبل ذلك، و (زيد) و ما أشبهه في حال النداء معرفة بالإشارة، منتقل عنه ما كان قبل ذلك فيه من التعريف.
ألا ترى أنك تقول إذا أردت المعرفة: يا رجل أقبل، فإنما تقديره: يا أيها الرجل أقبل، و ليس على معنى معهود، و لكن حدثت فيه إشارة النداء، فلذلك لم تدخل فيه الألف و اللام، و صار معرفة بما صارت به المبهمة معارف"، المقتضب ٤/ ٢٠٥.
[٣] قال ابن السرّاج:" فأما: يا زيد، فزيد و ما أشبهه من المعارف معارف مثل النداء، و هو في النداء معرفة كما كان، و لو كان تعريفه بالنداء لقدر تنكيره قبل تعريفه، و يحيل قول من قال إنه معرفة بالنداء فقط، إنك قد تنادي باسمه من لا تعلم له فيه شريكا، كما تقول: يا فرزدق أقبل، و لو كنت لا تعرف أحدا له مثل هذا الاسم، و لو لم يكن عرف أن هذا اسمه فيما تقدم لما أجابك إذا دعوته به، و من قال إذا قلت: يا زيد: إنه معرفة بالنداء، فهذا الكلام من وجه حسن و من وجه قبيح عندي ..."
و قال أيضا:" و إنما ادّعى من قال: إن: يا زيد معرفة بالنداء لا بالتعريف الذي كان له".
الأصول ١/ ٣٣٠- ٣٣١.