العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٨٦
باب التعجب
إن قال قائل: لم خصت (ما) من بين سائر الأسماء بالتعجب؟
قيل له: لأنها مبهمة [١]، و الشيء إذا أبهم كانت النفس مشوقة [٢] إليه، و الدليل على أن (ما) أشد إبهاما من (من) و (أي) [٣] أنها تقع على ما لا يعقل و على صفة من يعقل، و (من) تختص بمن يعقل فصارت (ما) أعم و مع ذلك فإن (ما) واقعة على الشيء الذي يتعجب منه، و ذلك أن الشيء ليس مما يعقل فلم يجز إدخال (من) هنا.
و أما (أي) فهي متضمنة للإضافة، و الإضافة توضحها فلذلك لم تقع هذا الموقع.
فإن قال قائل: فهلا استعملوا الشيء إذ كان أبهم الأشياء [٤]؟ قيل له: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل/ و لو قلت: شيء أحسن زيدا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسّن زيدا فتجنبوه لهذا الوجه، و أيضا فإن الغالب على قولك:
شيء حسّن زيدا أنه إخبار عن معنى مستقر، و ما يتعجب منه ينبغي أن يسرك في الحال، فأما ما قد استقر و عرف فلا يجوز التعجب منه، فلهذا خصت من بين سائر الأسماء بالتعجب.
[١] كتبت في الأصل: مها.
[٢] في الأصل: مشرقة.
[٣] انظر: اللباب في علل البناء و الإعراب ١/ ١٩٦- ١٩٧. فقد أثار العكبري الفكرة نفسها و ناقشها.
[٤] انظر شرح المفصل ٧/ ١٤٣ حيث جاء فيه:
" ... فإن قيل: فإذا قلتم إن تقدير ما أحسن زيدا، شيء أحسنه و أصاره إلى الحسن، فهلّا استعمل الأصل الذي هو (شيء)؟ فالجواب: أنه لو قيل: شيء أحسن لم يفهم منه التعجب؛ لأن شيئا و إن كان فيه إبهام إلا أن (ما) أشد إبهاما، و المتعجب معظم للآمر، فإذا قال: ما أحسن زيدا، فقد جعل الأشياء التي يقع بها الحسن متكاملة فيه، و لو قال: شيء أحسن زيدا، كان قد قصر حسنه على جهة دون سائر جهات الحسن، لأن (الشيء) قد يستعمل للقليل ...".