العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٨٣
و لا ينصبه و هذا يستحيل أن يكون مفرد معرب بغير شيء نعربه، فلهذا يبطل الجر و صار حتى ها هنا بمنزلة الواو، و أما بيت الفرزدق [١]:
فوا عجبا حتى كليب تسبني
كأن أباها نهشل أو مجاشع
فلو ذكرنا قبل حتى لفظ السب كقولك: يا عجبا يسبني الناس حتى كليب تسبني، لجاز في كليب الرفع و الجر، فالرفع على الابتداء و الخبر و الجر على الغاية [٢] و يكون يسبني توكيدا للسب المتقدم، و إذا رفعت فعلى الابتداء و الخبر، إلا أن البيت لمّا لم يذكر في أوله السب لم يجز أن يخفض كليبا؛ لأنه يبقى يسبني معلقا بغير شيء، فلهذا لم يجز عندنا إلا الرفع، و قد أجاز الخفض فيه أهل الكوفة [٣] و حملو الكلام على المعنى، و الأجود قولنا؛ لأن اللفظ له حكم و ليس كل ما جاز على المعنى يجوز على اللفظ [٤] فاعرفه.
[١] البيت من البحر الطويل و هو في الديوان: ١/ ٤١٩ و جاء في الكتاب ٣/ ١٨، و معاني القرآن للفراء ١/ ١٣٨ و المقتضب ٢/ ٤١، و شرح أبيات سيبويه للنحاس ٢٧١، و شرح المفصل ٨/ ٨ و ٨/ ٦٢، و مغني اللبيب ١٧٣، و شرح شواهد المغني للسيوطي ١/ ١٢- ١/ ٣٧٨، و أورد شيئا من القصيدة، و الهمع ٤/ ١٦٩، و الخزانة ٩/ ٤٧٥.
و الفرزدق: هو همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن مجاشع، و سمّي كذلك لأنه شبّه وجهه بالخبزة.
طبقات فحول الشعراء ١/ ٢٩٨.
[٢] و هذا ما ذهب إليه ابن هشام فقال في المغني:
" و لا بد من تقدير محذوف قبل (حتى) في هذا البيت، يكون ما بعد (حتى) غاية له، أي:
فوا عجبا يسبني الناس حتى كليب تسبني ..." ١/ ١٣٧ (ط ٢ دار الفكر).
[٣] قال الفراء في البيت:
" فإن الرفع فيه جيد، و إن لم يكن قبله اسم، لأن الأسماء التي تصلح بعد حتى منفردة إنما تأتي من المواقيت، كقولك: أقم حتى الليل. و لا تقول: أضرب حتى زيد، لأنه ليس بوقت، فلذلك لم يحسن إفراد زيد و أشباهه، فرفع بفعله، فكأنه قال: يا عجبا أتسبني اللئام حتى يسبني كليبيّ، فكأنه عطفه على نية أسماء قبله. و الذين خفضوا توهموا في كليب ما توهموا في المواقيت، و جعلوا الفعل كأنه مستأنف بعد كليب، كأنه قال: قد انتهى الأمر إلى كليب، فسكت، ثم قال: تسبني". انظر معاني القرآن ١/ ١٣٨.
[٤] في الأصل: العطف.