العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٧٤
تصريف الفعل، و كذلك المصدر لما كان مشتقا من لفظه صار بينهما مناسبة من جهة اللفظ فحمل عليه، و مما يدل أيضا على فساد ما ألزمنا المخالف أن من مذهبه في الفعل الماضي في القبح على أن التثنية فرع على الواحد، فإذا جاز للفراء أن يحمل الأصل على الفرع، و هو المخالف لنا في هذه المسألة، جاز لنا أن نحمل المصدر و إن كان أصلا للفعل في باب الإعلال و قد استقصينا هذه المسألة بأكثر من هذا الشرح في شرح كتاب سيبويه.
و اعلم أن المصدر يقدر بأن و الفعل متى لم يعمل فيه فعله المشتق منه، فإن عمل فيه فعله لم يقدر بأن، مثال قولك: أعجبني ضرب زيد عمرا، فالتقدير:
أعجبني أن ضرب زيد عمرا، فلو قلت: ضربت زيدا ضربا لم يجز أن تقدره ب (أن) فتقول: ضربت زيدا، و إنما وجب ما ذكرناه؛ لأن لفظ المصدر لا يدل على معنى معين. فإذا قلت: أعجبني ضرب زيد، لم يعلم أنه ضرب ماض أو مستقبل أو حال فتفصل بأن و الفعل، لأن لفظ الفعل يدل على زمان مخصوص فلهذا قدر ب (أن) إذا عمل فيه غير فعله، و أما إذا عمل فيه فعله فلا حاجة بنا إلى تقديره؛ لأن الفعل المتقدم قد دلّ على الزمان الذي وقع الضرب فيه، و أمّا قوله تعالى:
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ [البلد: ٩٠/ ١٤- ١٥]، إن قيل: أين فاعل الإطعام؟
قيل: هو محذوف من الكلام للدلالة عليه. فإن قيل: فما الذي يدل عليه؟ قيل قوله تعالى: وَ ما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ٩٠/ ١٢]./ هذا خطاب للنبي صلّى اللّه عليه و سلم، دلّ ذلك على أن الفاعل هو المخاطب، و التقدير أو إطعام أنت يتيما.
فإن قيل: فهلّا كان الفاعل مضمرا في الإطعام كما يضمر في اسم الفاعل كقولنا: أنت مطعم، ففي مطعم ضمير مستتر كما استتر في الفعل إذا قلت تطعم؟ فالجواب في ذلك: أن المصادر لا تقبل الضمير و إن عملت عمل الفعل،