العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٥٤
واحدة، ألا ترى أنك إذا قلت: أعطيت، فليس في الكلام دلالة أن المعطى زيد و عمرو حتى تقول: زيدا و عمرا، فتبينه و كذلك ليس في اللفظ دلالة على ما أعطي زيد حتى تبيّنه فتقول: درهما، أو دينارا، فلهذا جاز إقامة الثاني مقام الفاعل. فأمّا إذا كان الثاني مما يصح أن يكون آخذا للأول فلا يجوز أن تقيم مقام الفاعل إلا الأول لئلا ينقلب المعنى. ألا ترى أنك إذا قلت: أعطيت زيدا عمرا، فإنما يعلم أن زيدا أخذ عمرا بترتيب اللفظ لأنك لو قدمت عمرا و أخرت زيدا لصار عمرو هو الآخذ لزيد فقد بان لك أن الفاعل منهما يعلم بترتيب اللفظ دون الإعراب فلهذا وجب أن تقيم الأول مقام الفاعل، و أما قولك:
أعطيت زيدا درهما فقد علم أن الدرهم مأخوذ، و لا يجوز أن يكون آخذا لزيد فلم يشكل رفعه إذ كان معناه يدل على المراد.
و أما ظننت فالوجه أن تقيم المفعول الأول أيضا مقام الفاعل كقولك: ظننت زيدا أخاك، فإذا لم تسم الفاعل قلت: ظنّ زيد أخاك، و إنما اختير هذا الوجه؛ لأن قولك ظننت أخاك يدل على أن زيدا معروف، و الأخوة مشكوك فيها، لأن الشك إنما يقع في الخبر، فلو قدمت الأخ و أخرت زيدا لصار ترتيب اللفظ يدل على هذا المعنى، فلو جوزت التقديم و التأخير انقلب المعنى، فلهذا لم يجز إلا أن تقول:
ظننت زيدا أخاك، فيكون الأول معرفة و الثاني نكرة، فيجوز على هذا الوجه أن تقيم [المفعول] [١] الثاني مقام الفاعل إلا أن المبتدأ حقه أن يكون معرفة و الخبر نكرة فصار من أجل هذه الدلالة ظاهر الكلام يدل على أن الشك وقع في خبر زيد لا في زيد.
و أما [ما] [٢] يتعدى إلى ثلاثة مفعولين [٣] فإنه وجب أن يقوم الأول منهم مقام الفاعل؛ لأنه الفاعل في المعنى ألا ترى أنك إذا قلت: علم زيد عمرا خير الناس،
[١] كتبت في الأصل على الهامش.
[٢] زيادة ليست في الأصل يقتضيها السياق.
[٣] انظر الكتاب: ١/ ٤١ هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين (هارون).