العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٤٣
يرجع إلى مذكور قبله فرتبة المفعول باقية مع التقديم لما ذكرناه، و رتبة الفاعل ذاهبة مع التقديم من أجل الابتداء الذي لا يظهر له عامل لفظي.
فإن قال قائل: فهلا نوي بالفاعل التأخير، و إذا نوي به التأخير لم يجز كونه مبتدأ؟
فالجواب في ذلك: أن هذا لا يصح و ذلك أن شرط الفاعل إذا كان بعد الفعل أن يقوم مقامه غيره و هو موجود نحو: قام زيد، فمحال أن تذكر فاعلا للقيام من غير عطف و لا تثنية مع وجود زيد، فلما كان زيد إذا تقدم على الفعل بهذه المنزلة استحال وجود فاعل سواه فإذا جاز أن يكون لهذا الفعل فاعل سوى زيد علمنا بهذه الدلالة أن زيدا قد خرج من أن يكون فاعلا نحو قولك: زيد قام أبوه، فالقيام للأب لا محالة، فوجب أن يكون زيد مرتفعا بغير هذا الفعل و هو الابتداء.
و وجه آخر: و هو أن الفاعل لو كان مرتفعا بفعله إذا تقدم لم يختلف حال الفعل، فلما وجدناه مختلفا علمنا أنه ليس مرتفعا بفعله إذا تقدم على الفعل و ذلك ظهور علامة التثنية و الجمع كقولك: الزيدان قاما، و الزيدون قاموا.
فإن قال قائل: قد قالت العرب: أكلوني البراغيث، فأظهروا علامة الجمع في الفعل و إن كان الفاعل، كما يظهرونها إذا تقدم على الفعل؟ قيل له: إنما يحكى مثل هذا على طريق الشذوذ و ليس بمستقيم في كلامهم، و لو كان لا فرق بين تقديم الفاعل و تأخيره لوجب أن يستوي استعمال الفعل في كلامهم، فلما اختلف على ما ذكرناه حال الفعل لم يصح الاعتراض بما يجري مجرى الشذوذ.
فإن قال قائل: فما السبب في إظهار علامة التثنية و الجمع في الفعل إذا تقدمه الفاعل و لم يحسن إذا تأخر الفاعل؟
فالجواب في ذلك أن الفاعل إذا تقدم الفعل ارتفع بالابتداء، و لا بد للفاعل من فعل، فإذا لم يظهر الفاعل بعده استتر فيه ضمير الفاعل كقولك: زيد قام،