العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٣٠
فالجواب في ذلك إن هذه المسألة إنما امتنعت من مازال لآن حكم الاستثناء أن يبطل حكم النفي إلا أنك إذا قلت: ما كان زيد قائما، نفيت القيام، و إذا قلت:
ما كان زيد إلا قائما أثبت القيام، فصار بمنزلة قولك: كان زيد قائما، و كذلك لو جوزنا الاستثناء بعد (ما زال) لصار التقدير: زال زيد قائما، و قد بيّنا أن ذلك لا يستعمل إلا بحرف النفي، و إدخال حروف الاستثناء يبطل ما وضعت عليه، فلهذا منعناها الاستثناء و ليس امتناعها من جواز الاستثناء لما ذكرناه يخرج عن أن تكون للنفي لأن (ليس) لا تخلو إذا أدخلت على (زال) من أن تكون للنفي أو لغيره، فلو كانت لغير النفي لم يجز أن تخرج (زال) عن موضعها في المعنى، فلما وجدنا معناها ينقلب بدخول (ما) عليها، علمنا أنها للنفي فوجب أن يجري عليها حكم النفي و إن كانت جملة الكلام في معنى الإيجاب، و قد أجاز بعض النحويين [١] تقديم خبر ما زال عليها لما ذكرناه من الشبه و شبهها بالإيجاب.
و اعلم أن أمسى و أصبح و صار و أضحى قد تستعمل على وجه آخر فيقال:
صار زيد إلى عمرو، فليست هاهنا الداخلة على المبتدأ أو الخبر لأنك لو أسقطتها من الكلام لم يجز أن تقول: عمرو إلى زيد دون صار/ فعلمنا بهذا التقدير أنها ليست الداخلة على الابتداء و الخبر و لكنها داخلة لمعنى الانتقال و الصيرورة، و لذلك جاز فيها هذا الاستعمال، و صار زيد إلى عمرو، انتقل زيد إلى عمرو، و كذلك قد تقول: أمسى زيد، و أصبح عمرو، و أضحى عبد اللّه، و تسكت و يكون المعنى دخل زيد في وقت المساء و دخل عمرو في وقت الصباح و دخل عبد اللّه في وقت الضحى، كما تقول: أظهر الرجل، إذا دخل في وقت الظهيرة، و بات تستعمل للّيل، و أضحى للنهار، و ظلّ تستعمل فيهما جميعا، و إن كان الأشهر أن تستعمل في النهار.
[١] و هم ابن كيسان و النحاس، انظر شرح ابن عقيل على الألفية ١/ ٢٧٦ (ط ٢ دار الفكر).