العلل في النحو - ابن وراق، محمد بن عبدالله - الصفحة ١٢٣
فلما كانت هذه الأفعال متضمنة لمعنى النفي و من شرط النفي إذا دخل عليه نفي صار إيجابا ألا ترى أن قول القائل: ما زال زيد ذاهبا معناه أنه ذاهب فلهذا خصت بالنفي، و غيرها من الأفعال لا تتضمن النفي و إنما هي للإيجاب المحض نحو: كان، و أصبح و ما أشبههما، فإن أردت الإيجاب جردتهما من حروف النفي، فإن أردت النفي أدخلت (ما) فاعلمه.
و اعلم أن كان تستعمل على ثلاثة أوجه [١]: أحدها: أن ترفع الاسم و تنصب الخبر، كما [٢] ذكرناه، فهذه إنما هي عبارة عن الزمان فقط.
و الوجه الثاني: أن تقع ملغاة من العمل و المعنى، و قد تكون ملغاة من العمل دون المعنى، و أحسن ذلك فيها إذا أردت الإلغاء أن تؤخرها أو توسطها، فمما جاءت فيه ملغاة في المعنى و اللفظ الإلغاء بعد التوكيد و تحسين اللفظ قوله تعالى:
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: ١٩/ ٢٩] [٣]، و المعنى كيف نكلم من صار في المهد صبيا، فصبيا نصب على الحال و العامل فيه نكلم و التقدير: كيف نكلم من هو في المهد في حال الصبا، و لو جعلت كان معنى الماضي يخرج عيسى عليه السّلام من أن يكون له اختصاص بهذا الحكم من بين سائر الناس، ألا ترى أن جميع الناس قد كانوا صبيانا في المهود فدل بعجب القوم من قول مريم أن عيسى عليه السّلام يتكلم في حال الصبا [٤] فأما ما تدخل فيه ملغاة في العمل دون المعنى فنحو قولك: زيد كان قائم، و المعنى زيد قائم كان، فقد أفادت (كان) معنى المضي و إن لم تعمل. و اعلم أن (كان) متى ألغيت فلا بد لها من فاعل في
[١] للتفصيل انظر شرح ابن عقيل على الألفية ١/ ٢٨٨.
[٢] كتبت في الأصل: كاما.
[٣] و الآية: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، ذكر العكبري في التبيان الوجوه المختلفة في إعرابها؛ فذكر الحال، و زيادة كان، كما ذكر كونها تامة و ناقصة و بمعنى صار. و وجه الحال لا يحوج إلى معنى صار. انظر: إملاء ما منّ به الرحمن ١١٣.
[٤] و هذا الكلام مطابق تماما لما قال المبرد في المقتضب ٤/ ١١٧- ١١٨ (لجنة إحياء التراث).