دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٠٤ - باب سياق قصة الحديبية و ما ظهر من الآثار فيها
(١) المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم و أخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمّا الإسلام فأقبل، و أما المال فلست منه في شيء.
ثم إن عروة جعل يرمق [٣٠] صحابة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فو اللّه ما تنخم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه و جلده، و إذا أمرهم ابتدروا لأمره، و إذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه، و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، و ما يجدّن [٣١] إليه النظر تعظيما له.
قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم و اللّه لقد وفدت على الملوك: وفدت على قيصر، و كسرى، و النجاشي، و اللّه إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، و اللّه إن تنخّم نخامة إلّا وقعت في كف رجل منهم فدلّك بها وجهه و جلده، و إذا أمرهم ابتدروا أمره، و إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، و إذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، و ما يحدّون إليه النظر تعظيما له، و انه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوه،
فقال رجل من بني كنانة: دعوني ءاته، فقالوا ائتيه، فلما أشرف على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): هذا فلان و هو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعث له فاستقبله القوم يلبّون
فلما رأى ذلك قال سبحان اللّه ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت، فرجع لأصحابه، فقال: رأيت البدن قد قلّدت و أشعرت، فما أرى أن يصدّوا عن البيت.
فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعوني آته. قالوا: ائتيه
فلما اشرف عليهم قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) هذا مكرز و هو رجل فاجر
[٣٢]، فجعل يكلم
[٣٠] (يرمق) يلحظ.
[٣١] في (ح): «و ما يحدون».
[٣٢] استشكل قوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في مكرز هذا رجل فاجر أو غادر مع أنه لم يقع منه في قصة الحديبية فجور ظاهر، بل فيها ما يشعر بخلاف ذلك كما سبق في القصة، و في إجازته أبا جندل لأجل رسول