دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٥٩ - باب ما جاء في غزوة مؤتة
(١) حتى بعث إلى مؤتة في جمادي [الاولى] [٣] من سنة ثمان، قال و أمّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الناس في مؤتة زيد بن حارثة، ثم قال: فإن أصيب زيد فجعفر فان أصيب جعفر فعبد اللّه بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا فليجعلوه عليهم [٤].
فتجهز الناس و تهيئوا للخروج، فودع الناس أمراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سلموا عليهم فلما و دعوا عبد اللّه بن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة، فقال: أما و اللّه ما بي حبّ للدنيا، و لا صبابة إليها و لكني سمعت اللّه يقول:
وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا [٥] فلست أدري كيف لي بالصّدر بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم اللّه و ردّكم إلينا صالحين، و دفع عنكم. فقال ابن رواحة.
لكنني أسأل الرحمن مغفرة* * * و ضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا [٦]
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة* * * بحربة تنفذ الأحشاء و الكبدا [٧]
حتى يقولوا إذا مرّوا على جدثي* * * أرشده اللّه من غاز و قد رشدا [٨]
ثم أتى عبد اللّه بن رواحة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فودعه، فقال:
و ثبّت اللّه ما أتاه من حسن* * * تثبت موسى و نصرا كالذي نصرا [٩]
[٣] التكملة من سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٢).
[٤] سيرة ابن هشام (٣: ٣٢٢)، و البداية و النهاية (٤: ٢٤١).
[٥] [سورة مريم- ٧١].
[٦] ذات فرغ يريد طعنة واسعة، و الزبد أصله ما يعلو الماء إذا غلا، و أراد هنا ما يعلو الدم الذي ينفجر من الطعنة.
[٧] مجهزة: سريعة القتل. تقول: أجهز على الجريح إذا أسرع في قتله، و تنفذ الأحشاء: تخرقها و تصل إليها.
[٨] الجدث: القبر.
[٩] تفرست: تبينت، و نافلة: هبة من اللّه.