دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٣٤ - باب ما جاء في تزوّج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ميمونة بنت الحارث رضي اللّه عنها في سفره هذا
(١)
[ ()] «شرح مسلم»: و عن حديث ميمونة أجوبة، أنه إنما تزوجها حلالا هكذا رواه اكثر الصحابة، قال القاضي، و غيره: لم يرو أنه تزوجها محرما غير ابن عباس وحده، و روت ميمونة و أبو رافع، و غيرهما أنه تزوجها حلالا، و هم أعرف بالقضية لتعلقهم به، و هم أضبط و أكثر، الثاني: انه تزوجها في الحرم و هو حلال، و يقال لمن هو في الحرم: محرم، و إن كان حلالا، قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما* * * و دعا فلم أر مثله مخذولا
أي في الحرم، انتهى. قلت: وجدت في «صحاح الجوهري» ما يخالف ذلك، فانه قال: أحرم الرجل إذا دخل في الشهر الحرام، و انشد البيت المذكور على ذلك، و ايضا فلفظ البخاري: أنه (عليه السلام) تزوجها و هو محرم، و بنى بها و هو حلال، يدفع هذا التفسير، أو يبعده، و قال صاحب «التنقيح». و قد حمل بعض أصحابنا قول ابن عباس: و هو محرم، اي في شهر حرام، ثم انشد البيت، ثم نقل عن الخطيب البغدادي أنه روى بسنده عن إسحاق الموصلي، قال: سأل هارون الرشيد الاصمعي الكسائي، عن قول الشاعر: قتلوا ابن عفان الخليفة محرما. فقال الأصمعي: ليس معنى هذا أنه احرم بالحج، و لا أنه في شهر حرام، و لا أنه في الحرم، فقال الكسائي: ويحك، فما معناه؟ قال الاصمعي: فما أراد عدي بن زيد بقوله:
قتلوا كسرى بليل محرما* * * فتولى لم يمنع بكفن
أي إحرام لكسرى؟ فقال: الرشيد: فما المعنى؟ قال: كل من لم يأت شيئا يوجب عليه عقوبة فهو محرم، لا يحل منه شيء، فقال له الرشيد: أنت لا تطاق، انتهى. قال النووي: و الثالث من الأجوبة عن حديث ميمونة: ان الصحيح عند الأصوليين تقديم القول إذا عارضه الفعل، لأن القول يتعدى الى الغير و الفعل قد يقتصر عليه، قال: و الرابع: انه من خصائص النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، انتهى و قال الطحاوي في كتابه «الناسخ و المنسوخ»: و الأخذ بحديث أبي رافع اولى، لأنه كان السفير بينهما، و كان مباشرا للحال، و ابن عباس كان حاكيا، و مباشر الحال مقدم على حاكيه، أ لا ترى عائشة كيف أحالت على عليّ حين سئلت عن مسح الخف، و قالت: سلوا عليا، فانه كان يسافر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، انتهى.
و قال ابن الهمام في «الفتح» ص ٣٧٥- ج ٢: و ما عن يزيد بن الأصم انه تزوجها، و هو حلال لم يقو قوة هذا، فانه مما اتفق عليه الستة، و حديث يزيد لم يخرجه البخاري، و لا النسائي، و أيضا لا يقاوم بابن عباس حفظا و أتقانا، و لذا قال عمرو بن دينار للزهري: و ما يدري ابن الأصم كذا و كذا- لشيء قاله- أ تجعله مثل ابن عباس؟! و ما روى عن أبي رافع انه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تزوجها و هو حلال، و بنى بها و هو حلال، و كنت انا الرسول بينهما، لم يخرج في واحد من «الصحيحين»، و إن روى في «صحيح ابن حبان» فلم يبلغ درجة الصحة، و لذا لم يقل فيه الترمذي سوى: حديث حسن، قال: و لا نعلم أحدا أسنده غير حماد عن مطر، و ما روى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما