دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨٤ - باب ذكر حديث أبي قتادة الأنصاري رضي اللّه عنه في أمر الميضأة و قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين احتبس أصحابه عنه إن يطيعوا أبا بكر و عمر- رضي اللّه عنهما- يرشدوا، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة
(١) «انه ليس في النوم تفريط [١٣] إنما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فإذا كان ذلك فليصلها حين يستيقظ، فإذا كان من الغد فليصلها عند وقتها، ثم قال: ما ترون الناس صنعوا [قال] ثم قال [١٤]:
أصبح الناس و قد فقدوا نبيّهم، فقال أبو بكر و عمر رسول اللّه بعدكم لم يكن ليخلّفكم. و قال ناس بين أيديكم و أن يطيعوا أبا بكر و عمر يرشدوا، فانتهينا إلى الناس حين امتدّ النهار أو قال حين ذهب ظلّ كل شيء و هم يقولون يا نبي اللّه هلكنا و عطشنا، فقال: لا هلك عليكم [١٥] ثم قال: أطلقوا لي غمري [١٦] يعني القدح الصغير فدعا بالميضأة، فجعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصب و أبو قتادة يسقيهم فلم يعد أن رأى النّاس ما في الميضأة تكابوا [١٧] عليها فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أحسنوا الملأ [١٨] كلكم سيروى، ثم قال: أحسنوا الرعة، ففعلوا، فجعل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يصب، و أبو قتادة يسقيهم، حتى ما بقي أحد غيري، و غير النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثم صبّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال اشرب فقلت لا أشرب حتى يشرب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال: ان ساقي
[١٣] (ليس في النوم تفريط) أي تقصير في فوت الصلاة لانعدام الاختيار من النائم.
[١٤] (ما ترون الناس صنعوا قال ثم قال .. إلخ) قال النووي: معنى هذا الكلام انه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما صلى بهم الصبح، بعد ارتفاع الشمس، و قد سبقهم الناس. و انقطع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هؤلاء الطائفة اليسيرة عنهم
قال: ما تظنون الناس يقولون فينا؟ فسكت القوم. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): أما أبو بكر و عمر فيقولان للناس: إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) وراءكم. و لا تطيب نفسه ان يخلفكم وراءه و يتقدم بين أيديكم. فينبغي لكم ان تنتظروه حتى يلحقكم. و قال باقي الناس: إنه سبقكم فالحقوه. فإن أطاعوا أبا بكر و عمر رشدوا، فإنهما على الصواب.
[١٥] (لأهلك عليكم) أي لا هلاك.
[١٦] (أطلقوا لي غمرى) أي ايتوني به. و الغمر القدح الصغير.
[١٧] (فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها) أي لم يتجاوز رؤيتهم الماء في الميضأة تكابهم، اي تزاحمهم عليها، مكبا بعضهم على بعض.
[١٨] (أحسنوا الملأ) الملأ الخلق و العشرة. يقال: ما احسن ملأ فلان اي خلقه و عشرته. و ما أحسن ملأ بني فلان أي عشرتهم و أخلاقهم. ذكره الجوهري و غيره. و انشد الجوهري:
تنادوا يال بهثة إذ رأونا* فقلنا: أحسني ملأ جهينا