دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٣ - باب نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ رضي اللّه عنه، و ما جرى في قتلهم، و سبي نسائهم و ذراريهم
(١) سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق فيها، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم، في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه إرسالا [٨] و فيهم عدو اللّه حييّ بن أخطب، و كعب بن أسيد، و هو رأس القوم، و هم ثمان مائة أو تسع مائة، و المكثّر لهم يقول: ما بين الثمانمائة و التسعمائة و قد قالوا لكعب بن أسد، و هو يذهب بهم إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أرسالا: يا كعب ما تراه يصنع؟ فقال: في كل موطن لا تعقلون. ألا ترون الداعي لا ينزع. و أنّه من ذهب به منكم لا يرجع.
هو و اللّه القتل. فلم يزل ذلك الدأب، حتى فرغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منهم فأتى بحييّ بن أخطب عليه حلّة فقّاحيّة [٩]، قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الانملة لكيلا يستلبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: أما و اللّه ما لمت نفسي في عداوتك و لكنه من يخذل اللّه يخذل.
ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس! إنه لا بأس بأمر اللّه: كتاب، و قدر، و ملحمة كتبها اللّه على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. فقال جبل بن جوال الثّعلبي [١٠]
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه* * * و لكنّه من يخذل اللّه يخذل
يجاهد، حتى أبلغ النفس جهدها* * * و قلقل يبغي العزّ كل مقلقل
و بعض الناس، يقول: حييّ بن أخطب قالها.
قال ابن إسحاق حدثني الزهريّ أنّ الزبير بن باطا القرظي، و كان يكنى بأبي عبد الرحمن، كان قد مرّ على ثابت بن قيس بن الشمّاس، فذكر قصته بمعنى موسى بن عقبة، و أتمّ منه، و ذكر فيمن سأل عنه ثابتا، كعب بن أسد،
[٨] (أرسالا) طوائق.
[٩] (فقّاحية) أي تضرب إلى الحمرة نسبة الى الفقاح و هو الزهر إذا انشقت أكمته، و تفتقت براعيمه
[١٠] جبل بن جوال الثعلبي من بني ثعلبة، قال الدار قطني: «له ججبه» و قال ابو عبيد: «كان يهوديا فأسلم».