دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٠٧ - باب سياق قصة الحديبية و ما ظهر من الآثار فيها
(١) منهم رجل حتى قال ثلاث مرار،
فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي اللّه! أ تحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك و تدعو بحالقك فيحلقك، فقام، فخرج فلم يكلّم أحدا منهم، حتى فعل ذلك: نحر بدنه، و دعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، و جعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما، ثم جاءه نسوة مؤمنات، و أنزل اللّه عز و جل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ حتى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [٣٤] فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، و الأخرى: صفوان بن أمية.
ثم رجع إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش، و هو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغ به ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من ثمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرّجلين: و اللّه إني لا أرى سيفك جيّد جدا، فاستلّه الآخر فقال: أجل و اللّه إنه لجيد، لقد جربت به ثم جرّبت،
فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه، فضربه حتى برد، و فرّ الآخر حتى بلغ المدينة، فدخل المسجد يعدو فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين رآه: لقد رأى هذا ذعرا، فلما انتهى الى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قال: قتل و اللّه صاحبي، و إني لمقتول. قال: فجاء أبو بصير، فقال: يا نبيّ اللّه! قد و اللّه أوفى اللّه ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللّه منهم، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ويل أمّه مسعر حرب [٣٥]، لو كان له أحد،
فلما
[٣٤] [الممتحنة- ١٠].
[٣٥] ويل أمّه- بضم اللّام و وصل الهمزة و كسر الميم المشددة: و هي كلمة ذمّ تقولها العرب في المدح و لا يقصدون معنى ما فيها من الذّمّ، لأنّ الويل الهلاك، فهو كقولهم: لأمّه الويل قال الفرّاء:
أصل ويل وي لفلان، أي حزن له: فكثر الاستعمال، فألحقوا بها اللّام، فصارت كأنها منها، و أعربوها، و تبعه ابن مالك، إلّا أنه قال تبعا للخليل إن وي كلمة تعجب، و هي من أسماء