دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٨٣ - باب ذكر حديث أبي قتادة الأنصاري رضي اللّه عنه في أمر الميضأة و قول النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) حين احتبس أصحابه عنه إن يطيعوا أبا بكر و عمر- رضي اللّه عنهما- يرشدوا، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة
(١) السّحر، فمال ميلة هي أشدّ من الميلتين الأوليين، حتى كاد أن ينجفل [٦] فأتيته فدعمته، فرفع رأسه، و قال: من هذا؟ فقلت: أبو قتادة قال مذ كم كان هذا مسيرك: قلت ما زال هذا مسيري منك منذ الليلة، قال: حفظك اللّه بما حفظت به نبيّه [٧]، ثم قال: ترانا نخفى على الناس ثم قال: هل ترى من أحد؟ قلت: هذا راكب ثم قلت هذا راكب فاجتمعنا فكنا سبعة ركب [٨]، فمال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا فكان أول من استيقظ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الشمس في ظهره، فقمنا فزعين، فقال: اركبوا، فسرنا حتى ارتفعت الشّمس.
قال: ثم دعا بميضأة [٩] كانت معي فيها شيء من ماء، فتوضّأنا منها وضوءا دون وضوء [١٠]، و بقي فيها شيء من ماء.
ثم قال لأبي قتادة: احفظ علينا ميضأتك، سيكون لها نبأ، ثم نادى بلال بالصلاة فصلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ركعتين، ثم صلى صلاة الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم ثم ركب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ركبنا فجعل بعضنا يهمس إلى بعض [١١] ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما هذا الذي تهمسون دوني، فقلنا: يا نبيّ اللّه تفريطنا في صلاتنا، قال: أما لكم فيّ أسوة [١٢] ثم قال:
[٦] (ينجفل) أي يسقط.
[٧] (بما حفظت به نبيه) أي بسبب حفظك نبيه.
[٨] (سبعة ركب) هو جمع راكب. كصاحب و صحب، و نظائره.
[٩] (بميضأة) هي الإناء الذي يتوضأ به، كالركوة.
[١٠] (وضوءا دون وضوء) أي وضوءا خفيفا.
[١١] (يهمس إلى بعض) أي يكلمه بصوت خفي.
[١٢] (أسوة) الأسوة كالقدوة و القدوة، هي الحالة التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره. إن حسنا و إن قبيحا و ان سارا و إن ضارا. و لهذا قال تعالى: لقد كان لكم في رسول اللّه حسنة. فوصفها بالحسنة. كذا قال الراغب.