دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٧٤ - باب ما جاء في حديث أبي بصير الثقفي و أصحابه
(١) قال: فأقاموا مع أبي جندل و أبي بصير لا يمرّ بهم عير قريش إلّا أخذوها، و قتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أبا سفيان بن حرب يسألون و يتضرّعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير، و أبي جندل بن سهيل، و من معه فقدموا عليه، و قالوا: من خرج منا إليك فامسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء و الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره، فلما كان ذلك من أمرهم على الذين كانوا أشاروا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) خير لهم فيما أحبوا و فيما كرهوا من رأي من ظنّ أن له قوة هي أفضل مما خصّ اللّه به رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) من العون و الكرامة، و لم يزل أبو جندل و أبو بصير و أصحابهما الذين اجتمعوا إليها هنالك حتى مرّ بهم أبو العاص بن الربيع، و كان تحته زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الشام في نفر من قريش، فأخذوهم و ما معهم و أسروهم و لم يقتلوا منهم أحدا لصهر أبي العاص رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و أبو العاص يومئذ مشرك، و هو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها و أبيها، و خلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته و هي بالمدينة عند أبيها كان أذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل و أبو بصير و ما أخذوا لهم، فكلمت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في ذلك،
فزعموا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قام فخطب الناس فقال: «إنا صاهرنا ناسا، و صاهرنا أبا العاص، فنعم الصّهر وجدناه، و أنه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو جندل و أبو بصير، فأسروهم، و أخذوا ما كان معهم، و لم يقتلوا منهم أحدا، و أن زينب بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم مجيرون أبا العاص و أصحابه؟» فقال الناس: نعم،
فلما بلغ أبا جندل و أصحابه قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أبي العاص و أصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردّ إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال، و كتب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى أبي جندل و أبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، و يأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا