دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٣٥ - باب ما جاء في تزوّج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ميمونة بنت الحارث رضي اللّه عنها في سفره هذا
(١)
[ ()] انه (صلّى اللّه عليه و سلّم) تزوج ميمونة و هو حلال، فمنكر عنه، لا يجوز النظر اليه بعد ما اشتهر الى ان كاد يبلغ اليقين عنه في خلافه، و لذا بعد أن اخرج الطبراني ذلك عارضه بأن أخرجه عن ابن عباس رضي اللّه عنه من خمسة عشر طريقا: انه تزوجها و هو محرم، و في لفظ: و هما محرمان، و قال: هذا هو الصحيح: و ما أول به حديث ابن عباس بأن المعنى و هو في الحرم، فانه يقال: انجد، إذا دخل أرض نجد، و أحرم إذا دخل أرض الحرم، بعيد، و مما يبعده حديث البخاري: تزوجها و هو محرم، و بنى بها و هو حلال.
و الحاصل انه قام ركن المعارضة بين حديث ابن عباس، و حديثي يزيد بن الأصم، و أبان بن عثمان بن عفان، و حديث ابن عباس أقوى منهما سندا، فان رجحنا باعتباره كان الترجيح معناه، و يعضده ما قال الطحاوي: روى ابو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة رضي اللّه عنها: قالت: تزوج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعض نسائه و هو محرم، قال: و نقله هذا الحديث كلهم ثقات يحتج بروايتهم، انتهى: و محصل كلام الطحاوي في شرح الآثار، ٤٤٣- ج ١، و الذين رووا: ان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) تزوجها و هو محرم، اهل علم، و أثبت اصحاب ابن عباس: سعيد بن جبير، و عطاء، و طاوس، و مجاهد، و عكرمة، و جابر بن زيد، و هؤلاء كلهم أئمة فقهاء، يحتج برواياتهم و آرائهم، و الذين نقلوا عنهم فكذلك ايضا، منهم: عمرو بن دينار، و أيوب السختياني، و عبد اللّه بن ابي نجيح، فهؤلاء ايضا أئمة يفتدي برواياتهم، ثم قد روى عن عائشة ايضا ما قد وافق ما روى عن ابن عباس، و روى ذلك عنها من لا يطعن احد فيه: أبو عوانة عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق، فكل هؤلاء ائمة يحتج برواياتهم، فما رووا من ذلك اولى مما روى من ليس كمثلهم في الضبط و الثبت، و الفقه، و الأمانة، و اما حديث عثمان فإنما رواه نبيه بن وهب، و ليس كعمرو بن دينار، و لا كجابر بن زيد، و لا كمن روى ما يوافق ذلك عن مسروق عن عائشة، و لا لنبيه موضع في العلم كموضع احد ممن ذكرنا، فلا يجوز- إن كان كذلك- أن يعارض به جميع من ذكرنا ممن روى بخلاف الذي روى، انتهى كلامه.
ثم أخرج الطحاوي في آخر الباب آثارا عن ابن مسعود، و ابن عباس، و انس أنهم لا يرون بأسا أن يتزوج المحرمان، انتهى. و قال شيخنا حجة الإسلام إمام العصر «محمد أنور الكشميري» (رحمه اللّه تعالى)- في إملائه على جامع الترمذي- الموسوم» بعرف الشذى» أقول: يلزم عليه [أي قول الترمذي: إنه (عليه السلام) تزوجها في طريق مكة، و ظهر امر تزويجها و هو محرم، ثم بنى بها و هو حلال بسرف] أنه (عليه السلام) تجاوز عن الميقات بلا إحرام و هو يريد الحج، لأن في الروايات انه (عليه السلام) نكح بسرف، و هو بين مكة و ذي الحليفة، و كانت المواقيت مؤقتة.
كيف! و في البخاري في «غزوة الحديبية» ص ٦٠٠- ج ٢ في حديث المسور بن مخرمة، و مروان ابن الحكم: فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدى، و أشعر و أحرم منها بعمرة، الحديث انتهى.