دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٠٣ - باب سياق قصة الحديبية و ما ظهر من الآثار فيها
(١) قال: ألستم تعلمون اني استنفرت أهل عكاظ فلما بلّحوا [٢٣] عليّ جئتكم بأهلي و ولدي و من أطاعني، قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها، و دعوني آتيه، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عن ذلك، أي محمد! أ رأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك، و ان تكن الأخرى فو اللّه إني لأرى وجوها و أرى أوشابا [٢٤] من الناس خلقاء أن يفروا و يدعوك.
فقال له أبو بكر رضي اللّه عنه: امصص بظر اللّات [٢٥]، أ نحن نفرّ عنه و ندعه، قال: من ذا [٢٦]؟ قال أبو بكر: أما و الذي نفسي بيده لولا يد [٢٧] كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: و جعل يكلم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) كلما كلمه أخذ بلحيته [٢٨] و المغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و معه السيف و عليه المغفر، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) ضرب يده بنعل السيف، و قال:
أخّر يدك عن لحية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا:
المغيرة بن شعبة، قال: أي غدر [٢٩]؟ أ و لست أسعى في غدرتك؟
قال: و كان
[٢٣] (بلّحوا عليّ) امتنعوا من الإجابة.
[٢٤] (الأوشاب) الأخلاط.
[٢٥] (امصص بظر اللات) البظر) القطعة التي تبقى بعد ختان المرأة ...، (و اللات) اسم أحد الأصنام، و كانت عادة العرب الشتم بذلك، و بلفظ الأمر: أراد أبو بكر- رضي اللّه عنه- المبالغة في ذلك.
[٢٦] في (ص): «من هذا».
[٢٧] (اليد): النعمة و الإحسان.
[٢٨] كانت عادة العرب أن يتناول الرجل لحية من يكلمه، و لا سيما عند الملاطفة، و في الغالب:
إنما يفعل ذلك النظير بالنظير، لكن كان الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) يغضي لعروة عن ذلك استمالة له و تأليفا، و المغيرة يمنعه إجلالا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم).
[٢٩] (غدر) على وزن عمر، مبالغة في الوصف بالغدر، و هو ترك الوفاء.