دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٠٢ - باب سياق قصة الحديبية و ما ظهر من الآثار فيها
(١) فلم يلبثه [١٧] الناس أن نزحوه، فشكوا الى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) العطش فانتزع سهما من كنانة ثم أمرهم أن يجعلوه فيه قال فو اللّه ما زال يجيش لهم بالرّميّ حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذا جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة و كانوا عيبة [١٨] نصح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤيّ، و عامر بن لؤيّ نزلوا أعداد [١٩] مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، و هم مقاتلوك و صادّوك عن البيت، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّا لم نجيء لقتال أحد، و لكنّا جئنا معتمرين، و إنّ قريشا قد نهكتهم [٢٠] الحرب و أضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم [٢١] مدّة، و يخلّوا بيني و بين الناس، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، و إلا فقد جمّوا، و إن هم أبوا فو الذي نفسي بيده لاقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي، أو لينفذنّ اللّه عز و جل أمره».
فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشا، فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل، و سمعناه يقول قولا، فإن شئتم نعرض عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء، و قال ذو الرأي منهم:
هات ما سمعته، يقول: قال سمعته يقول: كذا و كذا، فحدّثهم بما قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم! ألستم بالوالد؟ قالوا بلى قال: أ لست بالولد [٢٢]؟ قالوا: بلى، قال: هل تتهموني؟ قالوا: لا،
[١٧] أي لم يتركوه أن يقيم.
[١٨] (عيبة نصح) أي أنهم موضع النصح له، و الأمانة على سره.
[١٩] (الأعداد) الذي لا انقطاع له.
[٢٠] (نهكتهم) أي أضعفتهم.
[٢١] (ماددتهم) جعلت بينك و بينهم مدة بترك الحرب.
[٢٢] (ألستم بالوالد و أ لست بالولد): أنتم حي قد ولدني، لكون أمي منكم. [كانت أمه: سبيعة بنت عبد شمس].