نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - القسم الأول الحمد والثناء
الإلهية فلا تعرف المسيرة التدريجية ولا التقدم والتأخر. فقد إستهل عليه السلام الخطبة بالإشارة إلى هذا الأمر
«الحمدللّه الّذي لم تسبق له حالٌ حالًا، فيكون أوّلًا قبل أن يكون آخراً، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً»
ومن هنا فليس هنا لك من وجود قبله ولا بعده، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ»، [١] كما قال: «لا إِلهَ إِلّا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ» [٢]. فالحق أنّ الوجود الأزلي والأبدي ليس له من أول ولا آخر، ولا يعني نعته بالأول والآخر سوى أنّ جميع المخلوقات متوقفة في وجودها عليه سواء في بداية ظهورها أو في إستمرار حياتها. أمّا وصفه بالظاهر والباطن فيعني أنّ أصل وجوده وصفاته أظهر من كل شيئ، وذلك لأنّ الأدلة على وجوده وصفاته تصل إلى عدد النجوم والكواكب والكائنات الحية وأوراق الأشجار وحصى الصحاري، بل بعدد ذرات العالم التي يعجز عن علمها وتصورها أحد غيره؛ ولكن لما كانت الذات الإلهية لامتناهية ولا يسع أحد تصورها كما هى:
«لاستحالة احاطة المحدود باللامحدود»
فانّ هذه الذات خفية على جميع الناس بما فيهم الأنبياء والأوصياء والأولياء، وحيث إنّ الناس يتعرفون بادئ ذي بدء على آثاره في دائرة الوجود ثم يلتفتون إلى ذاته المقدسة فانّه يمكن القول: إنّه ظاهر قبل أن يكون باطن، وحسب تعبير بعض الفلاسفة المسلمين:
«خفاؤه لشدّة ظهوره»
. أوليست الشمس التي تمثل إحدى مخلوقاته خفية لشدّة ظهورها؟ وهل من السهل على الإنسان النظر إلى قرص الشمس. ثم إنتقل الإمام عليه السلام إلى المقارنة بين عشر من صفات الكمال والجمال مع شبيهاتها لدى المخلوقات ليثبت عمق الفارق بينها وأنّ حقيقة الكمال مقتصرة على ذاته، وكل ما سواه رصيده العيب والنقص فقال عليه السلام:
«كل مسمى بالوحدة غير قليل»
فالعبارة اشارة إلى نقطة مهمّة وظريفة في باب توحيد الصفات والذات، لأنّ وحدته تفيد كون ذاته وصفاته لامتناهية، وتعني عدم وجود الند والشبيه، أمّا الوحدة في المخلوقات فهى وحدة عددية وتطلق في مقابل الكثرة، وبالطبع فانّ هذه الوحدة تفيد القلة، بينما تشير وحدته إلى عظم وجوده الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان وفى تفس الوقت هو في كل زمان ومكان، وهذا ما
[١] سورة الحديد/ ٣.
[٢] سورة القصص/ ٨٨.