نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٤ - القسم الأول هل من عين باصرة واذن سامعة؟
دون ما استقبلتم من عتبٍ [١] وما استدبرتم من خطبٍ معتبرٌ».
وكأنّ الإمام عليه السلام أراد أنّ يطيب خواطر صحبه ويرد على تساؤل قد تقتدح في أذهانهم بشأن إنتصارات بنيأمية وانزعاجهم من ذلك، في عدم الاستعجال، فلن يدوم ظلم هؤلاء الظلمة، وهنالك وقت معلوم للمهلة الإلهية فاذا جاءت حلّ عليهم العذاب. ولا تمتعظوا ممّا يحل بكم من خطوب، فتلك سنة إلهية في البلاء والاختبار وتحمل الشدائد ومن ثم الفرج واليسر، حتى في عهد انبثاق الدعوة اللاسلامية وفى الحروب والمعارك فلم يكتب اللَّه للمسلمين النصر في موقعة الأحزاب حتى زلزلوا زلزالًا شديداً؛ الأمر الذي صوره القرآن بالقول: «وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ ... هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً» [٢]. أمّا قوم بنيإسرائيل فقد خاطبوا نبيّهم موسى عليه السلام حين إشتد عليهم الاذى
«أو ذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا»
فردّ عليهم موسى عليه السلام بالقول: «عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِك عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [٣].
ونخلص ممّا سبق ان هذه السنة الإلهية جارية على الامّة الإسلامية كما جرت على الامم من قبلها، ولم يستثن من ذلك أصحاب الإمام عليه السلام. نعم كل هذه الامور دروس وعبر، إلّاأنّها تنفع من كانت له عين باصرة وأذن سامعة وقلب واع!
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«و ما كلّ ذي قلبٍ بلبيبٍ، ولا كلّ ذي سمعٍ بسميعٍ، ولاكلّ ناظرٍ ببصيرٍ»
فتأريخ البشرية مفعم باللدروس العبر، قصر عمرنا هو الآخر- لو تأملنا ذلك بدقة- ملئ بالحوادث المعبرة، بل قد ملأت العبر أركان كل شئ في عالم الوجود، إلّا أنّ المؤسف له أنه ينبغي أن يكون هنالك من يسمع ويبصر ويعي ويعتبر، وما أقل هؤلاء، ومن هنا يواصلون طريق الضلالة ويصابون بما أصاب من قبلهم من مصير أسود وعاقبة مريرة.
[١] «عتب» على وزن حتم تعني الامتعاظ الباطني اريد به هنا عتب الزمان، وعتب عليه إذا وجد عليه.
[٢] سورة الأحزاب/ ١٠- ١١.
[٣] سورة الأعراف/ ١٢٩.