نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٨ - القسم الخامس من هو السعيد؟
التي كان من المفترض أن تقوده نحو الفوز بالآخرة ونيل سعادتها وفلاحها. وقال في العبارة الرابعة:
«والمغبوط من سلم له دينه»
. فالغبطة أن يتمنى الإنسان مالغيره من النعم، وعليه فالمغبوط هو المستحق لتطلع النفوس إليه والرغبة في نيل مثل نعمته، فان جد واجتهد الإنسان وتمكن من الحفاظ على دينه وإيمانه في ظل هذه الدنيا وتقلباتها فقد أحرز أعظم النعم الإلهية التي يجدر بالآخرين أن يغبطوه عليها. وعلى ضوء القاعدة الأدبية فان تقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر، فالعبارة تفيد أن الغبطة لا تكون سوى تجاه من حفظ دينه وإيمانه ازاء حوادث الدهر ومكاره الدنيا، لاتجاه من ينال بعض المقامات ويجبي الأموال والثروات وسائر الإمكانات المادية الآيلة إلى الفناء والزوال. وقال في العبارة الخامسة:
«والسّعيد من وعظ بغيره».
فمما لاشك فيه أنّ الحوادث المريرة والتجارب القاسية تعد وسيلة لليقظة ومصدرا لنصيحة الإنسان ووعظه، ولكن ما أروع أن يستفيد من تجارب الآخرين ويتعظ بمصيرهم دون أن يرتكب بعض الاخطاء التي قد تلهمه بعض التجربة، فكأني بهذا الفرد كذلك المنزل الذي جاور حديقة غناء وكان يعمل فيها الآخرين بينما يصله نسيمها ورائحتها الزاكية. ولما كان مصير الأفراد في حياتهم متشابه في الغالب، وبعبارة اخرى
«التأريخ يعيد نفسه»
فلكل فرد أن يرى جانبا من مصيره في حياة الآخرين. وبناءاً على هذا فليس هنالك من يستثنى من هذه العبارة ولايعتبر بحياة الآخرين. هذا وقد ذهب بعض شرّاح نهجالبلاغة إلى أن العبارة
«والسّعيد من وعظ بغيره»
تعد مثلًا من الأمثال المعروفة في الأدب العربي [١]. بينما عدها ابن أبيالحديد من الأمثال النبوية. [٢] ثم اختتم الخطبة بما يقابل العبارة السابقة قائلًا:
«والشّقيّ من انخدع لهواه وغروره»
. واضح أنّ الإنسان يلام إذا خدع من قبل الآخرين، إلّاأنّه يكون أكثر ملامة إذا انخدع بهوى نفسه، وذلك لأنّه أحرق سعادته بنفسه.
[١] شرح نهجالبلاغة لابن ميثم ٢/ ٢٨٥.
[٢] شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ٦/ ٣٦٥، المرحوم العلّامة المجلسي في بحارالأنوار ٢١/ ٢١١ حيثأوردها في تأريخ النبي صلى الله عليه و آله في باب حوادث غزوة تبوك ضمن خطبة صلى الله عليه و آله.