نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٧ - ٢- المزاح في الإسلام
ما دهاك؟ فأخبرته، فقال: نعم إن في عيني بياضاً لاسوء، فخفضي عليك. فهذا من مزاح رسولاللَّه صلى الله عليه و آله. وأتت عجوز من الأنصار إليه صلى الله عليه و آله، فسألته أن يدعوا اللَّه تعالى لها بالجنّة، فقال:
«إن الجنّة لاتدخلها العجز» [١]
فصاحت، فتبسم صلى الله عليه و آله وقال: «إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً» [٢] وهكذا سائر الروايات ...
وفي نفس الوقت وردت الروايات التي ذمت المزاح، ومن ذلك ما روي عن علي عليه السلام أنّه قال:
«المزاح يورث الضغائن» [٣]
وقال:
«لكل شئ بذر وبذر العداوة المزاح» [٤]
وجاء في الخبر أنّ المزاح يحد من العقل ويذهب بالهيبة وهو العدو الاصغر [٥]. وقال رسولاللَّه صلى الله عليه و آله:
«لايبلغ العبد صريح الإيمان حتى يدع المزاح والكذب» [٦]
. ومن الواضح أن ليس هنالك من تضاد بين هاتين الطائفتين من الروايات، لأنّ الطائفة الاولى تحدثت عن أصل المزاح، بينما تحدثت الطائفة الثانية عن الإفراط وتجاوز الحد في المزاح. أو بعبارة اخرى: الطائفة الاولى ناظرة إلى المزاح الموزون الذي لايستند إلى أي غرض ومرض وحقد وضغينة، أمّا الطائفة الثانية فهى ناظرة إلى المزاح الباطل، والشاهد على ذلك ما جاء في الخبر عن رسولاللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«إني أمزح ولا أقول إلا حقا» [٧]
. والشاهد الآخر أغلب الروايات التي صرحت بذم كثرة المزاح. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال:
«كثرة المزاح تذهب البهاء وتوجب الشحناء» [٨]
. كما عبرت بعض الروايات عن ذلك بالإفراط في المزاح. ويتضح مما أوردنا من الروايات- ولاسيما تلك التي وردت عن علي عليه السلام- أنّ الإمام عليه السلام كان يمزح أحياناً بالحق؛ الأمر الذي يجعله فضيلة من فضائله وأنّه كان كريم الخلق بشر الوجه، إلّا أنّ العدو كان يندفع بكل همجية وضغينة ليشوه حتى هذه الصفات الحميدة فيه، بهدف
[١] شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ٦/ ٣٣٠.
[٢] سورة الواقعة/ ٣٥- ٣٦.
[٣] تحف العقول/ ٨٦.
[٤] ميزان الحكمة/ ٤، ح ١٨٨٦٩.
[٥] ميزان الحكمة ٤/ باب ذم المزاح.
[٦] ميزان الحكمة ٤/ ح ١٨٨٧٧.
[٧] شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ٦/ ٣٢٠.
[٨] غرر الحكم.