نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤ - القسم الأول الموت يلقي بظلاله على الجميع
للإنسان بلوغها إذا تحلى بالورع والتقوى والعمل الصالح قبل حلول أجله وانتهاء عمره، وإلّا سيفاجئه الموت دون الظفر بغايته وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم: «وَأَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ» [١] ثم اتبع ذلك بالقول: «و لن يؤخّر اللّه نفساً إذا جاء أجلها» أي ليست هناك من استجابة لمثل هذه الطلبات هناك. ثم قال عليه السلام:
«و ابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم»
فالدنيا ومتاعها ونعمها إلى زوال وتبدل وعدم إستقرار، بينما تتصف نعم الآخرة بالدوام والخلود، فهل من عاقل يتردد في مثل هذه الصفقة وذلك بان يشتري ذلك المتاع الخالد بهذا المتاع الفاني؟ ابتاعوا من مادة ابتياع بمعنى الشراء، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في عدة آيات، منها «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ» [٢]، فهذه الآية- التي شرحت المقايضة المعنوية والإلهية للناس مع اللَّه باروع بيان وضمن عشرة تأكيدات- إنّما تشمل كافة ميادين الحياة البشرية وإن وردت بشأن الجهاد؛ لأنّ الجهاد جزء من مفردات هذه الحياة، وقد جاء شبيه هذا المعنى في الآية العاشرة من سورة الصف «يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ...» فهل هناك أعظم وأربح من هذه التجارة التي يمثل طرف الإنسان فيها اللَّه سبحانه الكريم الغفور الرحيم من جانب، ومن جانب آخر يرضى اللَّه بهذه المعاملة لأن يبادل الإنسان بهذا المتاع الفاني والزائل الذي يفقده الإنسان شاء أم أبى بذلك المتاع الخالد الذي يأبى الزوال والفناء؟! ثم قال عليه السلام:
«و ترحّلوا [٣] فقد جدّ [٤] بكم»
في إشارة إلى أنّ الرحيل من الدنيا ليس بالهزل ولا السهل اليسير، بل أمر جدي بالغ الصعوبة فلسان حال كافة أعضائنا الباطنية والظاهرية هو الرحيل، ويعاضد ذلك
[١] سوره المنافقون/ ١٠.
[٢] سورة التوبة/ ١١١.
[٣] «ترحلوا» من مادة «رحلة» بمعنى السفر والرحيل من مكان إلى آخر.
[٤] «جد بكم» من مادة «جد» بمعنى حثثتم وازعجتم إلى الرحيل، كما تأتي بمعنى الأهمية، ويراد بها أيضاًالأسفار السريعة.