نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٦ - القسم السادس زوال حكومة بنيأمية
شخص، والعبارة
«تمنحهم درها»
جرياً على عادة العرب بتشبيه أغلب امور حياتهم بالناقة، حيث كان لها بالغ الأثر في حياتهم وعليه فهذه التشبيهات محببة إليهم. على كل حال فانّ الأفراد السطحيين لايكادون يرون أحدهم متربعاً على عرش السلطة وقد صفت له الدنيا وقمع معارضيه حتى يظنون بخلود هذه السلطة، والحال لايعلم ما يخبئ الغدو ليس هنالك من سبيل للتكهنات في المسائل السياسية، نعم لأولياءاللَّه أن يزودوا الناس بببعض هذه الأخبار المستقبلية إستناداً لعلمهم المستقى من علم اللَّه سبحانه، ومن ذلك هذا الأخبار من الإمام عليه السلام حيث قال مواصلة لكلامه:
«و كذب الظّانّ لذلك، بل هى مجّةٌ [١] من لذيذ العيش يتطعّمونها برهةً، ثمّ يلفظونها جملةً»؛
أي سيستحوذن على الحكومة تدريجياً، ثم يفقدونها دفعة احدة.
فنحن نعلم أنّ حكومة بنيأمية لم تدم أكثر من ثمانين سنة، فكانت أعظم مدتهم على عهد حكومة معاوية بعد شهادة الإمام علي عليه السلام وصلحه مع الإمام الحسن عليه السلام بعد أن أقبلت عليه الدنيا. ثم خلفه يزيد الذي اسود عهده بفعل قيام الإمام الحسين عليه السلام واستشهاده بتلك الطريقة البشعة فلم تدم حكومته أكثر من أربع سنوات، ثم تعاقبت الحكومات التي دام بعضها بضعة أشهر، بل كانت حكومة معاوية بن يزيد أربعين يوماً، ولم تشذ من ذلك سوى حكومة عبدالملك التي استغرقت عشرين سنة، ولعل السبب يعود إلى عدم استجابته لوصايا الحجاج وعدم إراقة دماء بنيهاشم على كل حال وكما أخبر الإمام علي عليه السلام فقد كانت حكومتهم قصيرة مليئة بالأحداث المريرة- أمّا العبارة
«هى مجة»
فهى إشارة إلى أن بنيأمية سيذوقون لمدة عابرة نعم الدنيا، إلّاأنّ مثلهم كمثل الذي يضع طعاماً لذيذاً في فمه ويتذوق طعمه إلّاأنّه لايقوى على إبتلاعه، فسرعان ما سيفقدون لذة الحكومة، والتاريخ أفضل شاهد على ذلك في أنّ حكومتهم التي دامت ثمانين سنة- سوى بعضها- كانت مليئة بالمخاطر والنزاعات والحروب والبلابل والاضطرابات.
[١] «مَجَّة» من مادة «مج» على وزن حج، وفي الاصل تعني قذف الماء أو اللعاب من الضم بعيداً أو قريباً. ويقاللعصير العنب وما يشابهه «مجاج»، على وزن عُقاب، وأيضاً يقال للعسل «مجاج النحل».
وهنا جاء هذا الاصطلاح تعبيراً عن النصر والنجاح والموفقية التي يحصل عليها الانسان ثم يفقدها بسرعة.