نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - القسم الخامس أعلام الهدى
الشهداء الذين قال اللَّه سبحانه وتعالى فيهم: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ». [١] وعليه فالعبارة
«يموت»
تعنى الموت الظاهري، والعبارة
«ليس بميت»
تعني عدم الموت الواقعي، وهكذا عبارتي
«يبلى» و «ليس ببال»
. وقال البعض أنّ المراد بعدم الموت والبلى هنا المعنى المجازي، أي أن آثارهم وتعاليمهم باقية بين الناس إلى يوم القيامة، وكأنّهم أحياء، ولعلنا نلمس هذا المعنى في رواية كميل في آخر نهجالبلاغة بشأن العلماء العاملين
«أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة» [٢]
. كما احتمل أن يكون المراد بالحياة هنا تلك الحياة البرزخية التي تكون فيها الروح في قوالب مثالية لطيفة، إلّاأنّ هذا الاحتمال يبدو مستبعداً لأنّ مثل هذه الحياة لاتختص بالأئمة والمقربين من أولياء اللَّه. ويبدو الاحتمال الأول هو الأصح، وبالطبع فأنّها حياة أرفع من حياة الشهداء، فاننا نناديهم في الزيارة
«تسمع كلامي وترد سلامي» [٣]
. ثم أكد الإمام عليه السلام ذلك قائلًا:
«فلا تقولوا بما لا تعرفون، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون»
في إشارة إلى أنّ معلومات الإنسان محدودة جدّاً وأنّ حقائق العالم عظيمة واسعة. والواقع أنّ العقل يقول في مثل هذه الحالة
«لاينبغي للإنسان ان يتنكر لكل شئ لايعرفه»
. على سبيل المثال لو لم يكن لديه من علم بشأن حياة أولياءاللَّه، فلاينبغي له أنّ ينكر ذلك. فليس هذا الأمر الوحيد الذي لايعلمه أغلب الناس، بل هناك آلاف الالوف وملايين المليونات من الوقائع المتحققة في الخارج والتي لا ندركها، وحسب تعبير أحد العلماء أنّ وقائع العالم بمنزلة كتاب ضخم بحيث لو جمعت كافة علوم البشرية من أولها إلى آخرها لما أصبحت ورقة في ذلك الكتاب. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه ليكشف عن حقيقة مريرة صعبة وكذلك مفيده نافعة بعيدة المعنى فقال:
«و اعذروا من لا حجّة لكم عليه- هوأنا»
أي أني نهضت بكافة وظائفي الملقاة على عاتقي، فلم أقصر في وظيفتى طرفة عين وقد أديت تكليفي أمام اللَّه والعباد. وبناءاً على هذا فليس هنالك مايسي إليَّ، ومن تفوه على فهو إمّا خاطئ أو مغرض. طبعاً هذا لايعني أنّه لاتبدو آرائكم تجاهي وتبخلون
[١] سورة آلعمران/ ١٦٩.
[٢] نهجالبلاغة، الكلمات القصار ١٤٧، «من حسن المصادفات انه كتب هذا القسم من الخطبة في الذكرىالحادية عشرة لرحيل الإمام الخميني (ره)».
[٣] بحارالأنوار ٦٧/ ٢٩٥.