نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - القسم الرابع لم الضلال، والعترة بين الاظهر؟
الكليات لاتحل مشكلتنا، فأعاد قوله عليه السلام مستنكراً عليهم الحيرة والضلال، وعترة النبي صلى الله عليه و آله بين أظهرهم:
«فأين يتاه [١] بكم! وكيف تعمهون [٢]»
نعم لايرتجى منكم الضلال والحيرة وبين أظهركم عترة رسولاللَّه صلى الله عليه و آله مصابيح الهدى وأعلام الورى والعروة الوثقى التي من تمسك بها نجى
«و هم أزمّة الحقّ، وأعلام الدّين، وألسنة الصّدق»
فمن أقبل عليهم أخذوا بيده إلى الحق، من إقتدى بهم عن بعد هدي إلى الرشد، بالتالى كل يهتدي بهديهم حسب تبعيته لهم.
أما العبارة:
«و هم أزمّة الحقّ»
فتفيد أنّ الحق يتحرك حول محورهم؛ المضمون الذي ورد في الحديث المعروف
«علي مع الحق، والحق مع علي يدور حيثما دار» [٣]
. والعبارة:
«وألسنة الصّدق»
تعني أنّهم تراجمة الوحي. كما يمكن أن يكون المراد أنّ لسانهم عليهم السلام لاينطق سوى بالصدق؛ سواء تحدثوا عن اللَّه ورسوله صلى الله عليه و آله، أم حدثوا عن أنفسهم، فكل ذلك صدق محض.
وبالطبع ليس هنالك من تضاد بين هذين التفسيرين ويمكن الجمع بينهما. ثم إختتم عليه السلام كلامه بالقول:
«فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم [٤] العطاش»
فالقرآن قد يجري على لسان الإنسان، كما قد يظهر على عمله، وأخيراً قد يشغل حيزاً في عمق روح الإنسان، وأفضل موضع للقرآن هو الموضع الأخير من المواضع الثلاثة المذكورة. فالعبارة تصرح بحب أهل البيت النابع من أعماق القلب والروح، كما ينبغي أن يعيش القرآن في هذه الأعماق. والواقع هو أنّ هذه العبارة تؤكد حديث الثقلين الذي قرن العترة بالقرآن ودعا الناس كافة إلى اتباعهما والتمسك بها بغية الأمان من الضلال والفرقة. كما قيل في تفسير هذه العبارة أنزلوهم أفضل المواضع التي أنزلهم بها القرآن الكريم، ألا وهو مقام الإمامة والولاية الذي أشار إليه القرآن بالقول: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ...» [٥] والآية: «يا أَيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...» [٦] والآية: «قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبى» [٧] وسائر الآيات القرآنية
[١] «يتاه» من مادة «تيه» على وزن شئ الضلال والحيرة.
[٢] «تعمهون» من مادة «عمه» على وزن فرح الحيرة والتخبط، وقيل: أنّ العمى في العربية عمى العين الظاهرة والعمه العين الباطنة.
[٣] نقل هذا الحديث العلّامة الأميني باسانيد مختلفة من مصادر العامة (الغدير ٣/ ١٧٦).
[٤] «هيم» جمع «أهيم» الابل العطشى، وكذلك يقال للرمال تبتلع الماء، وأحيانا يستعمل هذا الاصطلاحللتعبير عن العطش.
[٥] سورة المائدة/ ٥٥.
[٦] سورة المائدة/ ٧٦.
[٧] سورة الشورى/ ٢٣.