نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٧ - القسم الأول أحب العباد إلى اللَّه
القسم الأول: أحب العباد إلى اللَّه
«عِبادَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ، فاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ؛ فَزَهَرَ مِصْباحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ، وأَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ، وهَوَّنَ الشَّدِيدَ. نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وذَكَرَ فَاسْتَذكْرَ، وارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلًا، وسَلَكَ سَبِيلًا جَدَداً، قَدْ خَلَعَ سَرابِيلَ الشَّهَواتِ، وتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلَّا هَمّاً واحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، ومُشارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وصارَ مِنْ مَفاتِيحِ أَبْوابِ الْهُدَى، ومَغالِيقِ أَبْوابِ الرَّدَى، قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ، وسَلَكَ سَبِيلَهُ، وعَرَفَ مَنارَهُ، وقَطَعَ غِمارَهُ، واسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِها، ومِنَ الْحِبالِ بِأَمْتَنِها، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ».
الشرح والتفسير
إستهل الإمام عليه السلام خطبته- كما أشرنا إلى ذلك سابقا- بذكر صفات أولياء اللَّه والسالكين إليه، بالشكل الذي جعل ابن أبيالحديد يصرح في شرحه قائلًا:
«واعلم أن هذا الكلام منه أخذ أصحاب علم الطريقة والحقيقة علمهم، وهو تصريح بحال العارف ومكانته من اللّه تعالى» [١]
. ويرى البعض أنّ الإمام عليه السلام قد عرف نفسه بهذه العبارات؛ لأنّ العرفان درجة حال رفيعة شريفة جداً، لاتناسب إلّاأمثاله عليه السلام، والأنسب أن يقال بأنّ بيان الإمام عليه السلام استهدف
[١] شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ٦/ ٣٦٥.